لـ"رؤيا أخبار".. حراك نيابي لإنصاف قدامى الخريجين ومقترح لتخصيص نصف التعيينات لهم
تصاعدت وتيرة الحراك النيابي والشعبي في الأردن للتعامل مع ملف “قدامى الخريجين”، وسط مطالبات تشريعية بوضع أطر إدارية لإنصاف نحو 170 ألف خريج وخريجة، تمتد فترات انتظار بعضهم على قوائم التعيين لقرابة ربع قرن.
ويأتي هذا التحرك في وقت تواجه فيه السياسات المستحدثة لوزارة التطوير الحكومي وهيئة الخدمة والإدارة العامة انتقادات واسعة من القوى البرلمانية واللجان الممثلة للمتضررين.
مبادرة برلمانية لتقسيم التعيينات وإنهاء “ترهل السنوات”
أعلن النائب زهير الخشمان، في تصريحات خاصة لـ”رؤيا أخبار”، عن تبني كتلة “الاتحاد الوطني والإصلاح النيابية”، التي يترأسها، وتضم (26) نائبا، خطة عمل برلمانية بالتنسيق مع باقي الكتل والأحزاب، لرفع مذكرة إلى رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان؛ لإنهاء أزمة غياب تكافؤ الفرص في التوظيف الحكومي.
وانتقد الخشمان، آليات التقييم المستحدثة من الجهات الحكومية، واصفا إياها بغير المنصفة:
“من غير المنطقي أو العادل مساواة خريج أمضى 10 سنوات أو أكثر في الانتظار، بشاب تخرج للتو في عام 2026، وإخضاعهما للمادة الامتحانية ونفس ظروف المنافسة؛ إذ إن الفجوة المعرفية والزمنية وتغير المناهج كفيل بظلم الجيل القديم الذي يمتلك حصيلة علمية مختلفة كليا عما يدرس اليوم.”
أبرز مقترحات المذكرة النيابية المطروحة على الحكومة:
معادلة الـ50%: تخصيص نصف التعيينات الحكومية المتاحة (50%) كأولوية لقدامى الخريجين (ممن تجاوزت فترة انتظارهم خمس سنوات فأكثر)، وتخصيص النصف الآخر للخريجين الجدد؛ لضمان استمرار تدفق الكفاءات الشابة وعدم إدخالهم في دوامة انتظار طويلة.
تثبيت موظفي التعليم الإضافي: معالجة وضع ما يقارب 12 إلى 13 ألف عامل على نظام الإضافي، يعانون من غياب الاستقرار الوظيفي وضياع الامتيازات والحقوق، واضطرار بعضهم للقبول بأجور في القطاع الخاص تقل عن الحد الأدنى.
وحمل الخشمان الحكومات السابقة مسؤولية التراكم الإداري والترهل المزمن في هذا الملف، الذي وصفه بـ”الهم الوطني”، مؤكدا أن المطلب النيابي لا يضغط على الحكومة لزيادة التعيينات فوق طاقتها الاستيعابية، بل يطالب بالعدالة والإنصاف في توزيع الشواغر الموجودة حاليا.
وأعرب، في ختام تصريحاته لـ”رؤيا أخبار”، عن ثقته في أن رئيس الوزراء سيتخذ تحركا فوريا فور اطلاعه على الحلول الموضوعة في الملف.
نظام “الإعلان المفتوح” ألحق ضررا بـ170 ألف عائلة
من جانبه، أكد رئيس لجنة قدامى الخريجين وممثلهم، أمجد الحراحشة، في تصريحات خاصة لـ”رؤيا أخبار”، أن السياسات الأخيرة الصادرة عن وزارة التطوير الحكومي ألحقت أضرارا بالغة بالخريجين القدامى، الذين تراوحت فترات انتظارهم بين 10 سنوات و27 عاما، مشيرا إلى أن تطبيق نظام “الإعلان المفتوح” و”الحقول” نسف مخزونا بشريا يتجاوز 170 ألف خريج خارج ديوان الخدمة المدنية (سابقا)، ما أثر سلبا على مئات الآلاف من الأسر الأردنية.
وأوضح الحراحشة أن اشتراط التحاق الناجحين في امتحانات التنافس بالجامعة لمدة عام كامل للتأهيل يفرض كلفا مالية وأعباء مواصلات باهظة على الأهالي، مطالبا باختصار هذه المدة إلى أربعة أشهر فقط؛ لتنشيط المعلومات، مع تكفل الدولة بنفقاتها ومواصلاتها.
وتتلخص مطالب لجنة قدامى الخريجين في النقاط الآتية:
تمتد من 7 إلى 10 سنوات تمنح فيها الأولوية المطلقة في الشواغر للمخزون الراكد، لا سيما الفئات العمرية المتقدمة.
إلغاء شروط الإعلان المفتوح والامتحانات المقيدة الحالية.
تحويل الـ12 ألف وظيفة مخصصة حاليا للتعليم الإضافي فورا إلى تعيينات رسمية تلحق بالمخزون، حيث لا يفصلهم سوى مبالغ مالية بسيطة عن الراتب الرسمي.
التطلع إلى مكرمة ملكية لتأمين وظائف للمتضررين من القوانين الإدارية الأخيرة.
وعزا الحراحشة الكثافة النسائية العالية في المطالبات والاحتجاجات الأخيرة إلى حالة “اليأس والإحباط” التي أصابت الشباب ودفعتهم للعزوف عن التسجيل، لافتا إلى أن تعيين الخريجين ينعكس مباشرة على الأمن الاجتماعي والحد من نسب العنوسة المرتفعة.
كما أشار، في تصريحاته لـ”رؤيا أخبار”، إلى وجود استياء واسع بين الخريجين من شبهات محاباة وتلاعب (واسطة) في قسم التعيينات والدبلوم التابع لوزارة التربية والتعليم، أثرت على أدوار مستحقي المكرمة الملكية، مطالبا بوقف هذا الخلل الإداري وتفعيل رقابة حقيقية تتماشى مع الجولات الميدانية الحالية لرئيس الوزراء في المحافظات.
فجوة رقمية حادة وضغوط التخصصات المشبعة
قدم الخبير الاقتصادي حمادة أبو نجمة قراءة تحليلية للواقع التشغيلي في المملكة، موضحا أنه، بالرغم من الأبعاد الاجتماعية الملحة التي تعطي الأولوية للخريج القديم، كونه يعيل أسرة ومسؤولا عن التزامات معيشية، مقارنة بالخريج الجديد الذي يقل كلفة على الموازنة بفروقات بسيطة تقتصر على بعض العلاوات، كونه غير متزوج، إلا أن الأرقام الرسمية تفرض واقعا مغايرا يتطلب المصارحة:
إجمالي فرص العمل المستحدثة: يستحدث الاقتصاد الأردني بقطاعيه العام والخاص معا ما يقارب 95 ألف فرصة عمل سنويا فقط.
القدرة الاستيعابية للقطاع العام: تبلغ حصة التعيينات في الجهاز الحكومي بأكمله حوالي 7 إلى 8 آلاف تعيين سنويا فقط، أي ما يعادل نحو 8% فقط من إجمالي الفرص المستحدثة.
طوفان الخريجين السنوي: يتدفق عشرات الآلاف من الخريجين سنويا من الجامعات، مما يجعل الاستمرار في الاعتماد على التوظيف الحكومي سببا في بقاء الأزمة دون حلول جذرية، واستمرار شكاوى الانتظار لعقود.
وأكد أبو نجمة أن الحل الفعلي يتطلب من الخريجين تنويع خياراتهم المهنية والتوجه نحو القطاع الخاص، الذي تزيد فيه احتمالية الحصول على وظائف، فضلا عن ميزة تضاعف الأجور وتحسن الدخل بعد اكتساب خبرة عملية تمتد لسنتين أو ثلاث، مقارنة بالرواتب الثابتة في القطاع العام.
وفسر أبو نجمة كثافة حضور الإناث في هذه المطالبات بمعطيات إحصائية تظهر خللا هيكليا في اختيار التخصصات:
“تؤكد الإحصاءات أن ما بين 70% إلى 75% من الخريجات الإناث يتجهن نحو تخصصات قطاعات التعليم، والإدارة، والصحة، تبعا للعادات والتقاليد. هذه القطاعات مشبعة، وفرصها شحيحة جدا في القطاع الخاص، مما يفسر تكدسهن في طوابير الوظائف الحكومية، عكس الشباب الذين يتنوعون في مجالاتهم.”
ونبه الخبير الاقتصادي، في ختام حديثه، إلى أن تحويل معظم الوظائف الحكومية حاليا إلى نظام “العقود” ألغى ميزة الاستقرار المطلق التي كانت تميز القطاع العام سابقا، ليصبح شبيها بالقطاع الخاص في آليات الاستمرار الوظيفي.
