الذهب
"بريق خادع".. كيف تحول "حلم الثراء" إلى كابوس؟ قصص ضحايا "فخ الذهب الإلكتروني"
في زاوية غرفة المعيشة الهادئة، جلست "أم خالد" (اسم مستعار) تقلب صفحات هاتفها الذكي، تبحث عن ملاذ آمن لمدخراتها البسيطة التي جمعتها بشق الأنفس على مدار سنوات. فجأة، قفز إلى شاشتها إعلان ممول ذو تصميم احترافي جذاب: "تصفية شاملة.. أونصات ذهب سويسرية بأسعار لا تنافس.. فرصة للاستثمار الآمن".
لم تكن "أم خالد" تعلم أن ضغطة زر واحدة ستقودها إلى دوامة من الندم والحسرة، وأن ذلك البريق الذي رأته على الشاشة لم يكن ذهبا، بل كان فخا محكما نصبه محتالون يجيدون العزف على أوتار الطمع والحاجة.
الفخ.. وإغراء السعر
كان العرض لا يقاوم؛ سعر الأونصة المعروضة يقل بنحو ألف دولار عن السعر العالمي المعلن في النشرات الإخبارية. دار في خلدها أنها وجدت "اللقطة"، فتواصلت مع الصفحة، واستجاب لها شخص بلغة معسلة، مؤكدا لها أن الكمية محدودة وأن العرض لن يتكرر. حولت السيدة المبلغ المطلوب عبر إحدى المحافظ الإلكترونية، وانتظرت وصول "كنزها". وعندما وصل الطرد، وتوجهت به إلى أحد الصاغة للتأكد من وزنه، وقعت الصدمة كالصاعقة؛ المعدن الذي بين يديها ليس ذهبا، بل خليط من النحاس والحديد المطلي بطبقة رقيقة لا قيمة لها.
تحذيرات الأمن العام: أساليب الاحتيال المتعددة
قصة "أم خالد" ليست حالة فردية، بل هي جزء من ظاهرة مقلقة دقت لها مديرية الأمن العام نواقيس الخطر. فقد صرح الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام، بأن وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية تعاملت خلال الأيام الماضية مع سيل من الشكاوى المتعلقة بالاحتيال عبر صفحات التواصل الاجتماعي التي تروج لبيع الذهب.
وأوضح الناطق الإعلامي أن هؤلاء المحتالين يتبعون أسلوبين رئيسيين للإيقاع بضحاياهم:
أسلوب "الاختفاء": حيث يقوم المشتري بتحويل المبلغ المالي، ليقوم المحتال بعدها بحظر الرقم واختفاء الصفحة دون إرسال أي شيء.
أسلوب "البضاعة المغشوشة": وفي هذه الحالة، يستلم المشتري طردا يحتوي على معدن مغشوش أو مخلوط بمعادن رخيصة كالحديد أو النحاس، ليكتشف الخديعة بعد فوات الأوان.
نقابة المجوهرات: معادلة السعر المستحيلة
من جانبها، دخلت نقابة أصحاب محلات الحلي والمجوهرات على خط المواجهة، مؤكدة ورود شكاوى عديدة إليها بهذا الشأن. وكشفت النقابة عن "اللغز" الذي يستخدمه المحتالون لجذب الضحايا، وهو فارق السعر.
ففي حين يصل سعر الأونصة العالمي الحقيقي إلى قرابة 5 آلاف دولار، يعمد المحتالون إلى عرضها عبر المواقع الوهمية بأسعار تصل إلى 4 آلاف دولار أو أقل.
وهنا تتساءل النقابة: كيف يمكن لعاقل أن يصدق وجود تاجر يبيع الذهب بخسارة ألف دولار في القطعة الواحدة؟ إن الذهب عملة عالمية لا تخضع لمفهوم "التنزيلات" أو "العروض الخاصة" بهذا الشكل الجنوني.
شبكات عابرة للحدود.. وإغلاق مواقع
الخطر الأكبر الذي كشفت عنه النقابة هو أن بعض هذه المواقع الإلكترونية التي تروج لهذه العمليات تعمل من خارج المملكة، لكنها تستهدف المواطنين داخل الأردن بدقة متناهية، مما يعقد عملية الملاحقة القانونية واسترداد الحقوق. ورغم ذلك، أكدت النقابة أن الجهات المختصة (وحدة الجرائم الإلكترونية) تمكنت من إغلاق العديد من هذه المواقع المشبوهة، بل وألقت القبض على عدد من الأشخاص الذين مارسوا هذا النوع من الاحتيال داخل البلاد.
دعوة لليقظة: الفاتورة هي الضمان
وأمام هذا الواقع المليء بالفخاخ، وجهت النقابة والأمن العام رسالة واضحة وحاسمة للمواطنين: "لا تشتروا الذهب إلا من مصادره المرخصة". إن شراء الذهب من محل معتمد، والحصول على فاتورة رسمية مختمة تتضمن تفاصيل القطعة (الوزن، العيار، السعر)، هو السبيل الوحيد لحفظ الحقوق وتفادي الغش. أما الشراء عبر رسائل "الواتس أب" أو صفحات "الفيس بوك" المجهولة، فهو بمثابة إلقاء المال في الهواء.
تبقى القاعدة الذهبية: إذا كان العرض يبدو جيدا لدرجة لا تصدق.. فهو غالبا غير حقيقي. فلا تدعوا بريق الصور يعمي أبصاركم عن حقيقة المعدن.
