النفط والذهب
العالم يترقب تسونامي أسعار النفط والذهب بعد "اختطاف مادورو" واستيلاء ترمب على "فنزويلا"
- النفط محكوما بمعادلة العرض والطلب، فإن الذهب محكوم بمعادلة "الخوف". ومن المتوقع أن يشهد المعدن الأصفر إقبالا محموما.
لم يكن فجر السبت، الذي شهد العملية العسكرية الأمريكية الخاطفة في كاراكاس وانتهى بـ"اختطاف" الرئيس نيكولاس مادورو، مجرد حدث أمني عابر في تاريخ أمريكا اللاتينية بل كان بمثابة إعلان رسمي عن تدشين حقبة جديدة من "السياسة الواقعية العنيفة" التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وبينما يقبع مادورو حاليا في زنزانة فيدرالية في نيويورك، تتجه أنظار العالم بأسره -من طوكيو إلى لندن- نحو شاشات التداول التي ستومض صباح يوم الاثنين، مترقبة رد فعل الأسواق على تصريحات ترمب الصريحة وغير المسبوقة حول "الاستيلاء على النفط" وفرض "الإدارة المباشرة" لفنزويلا من واشنطن.
"عقيدة ترمب" الجديدة: النفط مقابل الجرأة
شكلت تصريحات ترمب من مقر إقامته في فلوريدا صدمة مزدوجة للأوساط الدبلوماسية والاقتصادية على حد سواء.
فإعلانه الصريح بأن "شركات النفط الأمريكية ستتجه فورا لاستغلال الاحتياطيات الفنزويلية"، وأن واشنطن "ستدير البلاد" خلال الفترة الانتقالية، يمثل تحولا جذريا من السياسة التقليدية القائمة على "تغيير الأنظمة لأجل الديمقراطية" إلى سياسة "تغيير الأنظمة لأجل الموارد".
هذا النهج، الذي وصفه محللون استراتيجيون بـ "الاستحواذ الجيوسياسي المباشر"، يضع أكبر احتياطي نفط مؤكد في العالم أكثر من 300 مليار برميل تحت السيطرة الأمريكية، متجاوزا الشركات الوطنية الفنزويلية، بل وحتى المعارضة التقليدية التي تم تهميشها علنا.
رسالة طمأنة: يرسل هذا الإعلان رسالة طمأنة لشركات الطاقة الأمريكية الكبرى Big Oil بأن عهد التأميم قد ولى.
رسالة رعب: في المقابل، يثير هذا التوجه الذعر في الأسواق الناشئة ولدى الحلفاء المنافسين تحديدا الصين وروسيا الذين لديهم استثمارات وديون مليارية في قطاع الطاقة الفنزويلي، وباتت الآن في مهب الريح.
النفط: بين "مخاوف الفوضى" و"آمال الإغراق"
مع استئناف التداول يوم الاثنين، يتوقع خبراء الطاقة سيناريوهين متضاربين سيحكمان حركة "الذهب الأسود":
- أولا: السيناريو الفوري صعود حاد فمن المرجح أن تفتح أسواق النفط خام برنت وغرب تكساس على فجوة سعرية صاعدة، والسبب هو ارتفاع "علاوة المخاطر الجيوسياسية"؛ إذ يخشى المستثمرون من ردود فعل انتقامية فورية من أنصار مادورو أو عناصر "جيش التحرير الوطني"، قد تشمل عمليات تخريب للمنشآت النفطية قبل أن تتمكن القوات الأمريكية من تأمينها.
كما أن التهديد الروسي بطلب "توضيح فوري" يضيف طبقة من التوتر قد تعطل حركة الناقلات في بحر الكاريبي.
- ثانيا: السيناريو المتوسط هبوط واستقرار وكون تصريحات ترمب بضخ الاستثمارات الأمريكية تعني -على المدى المتوسط- إعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة لشركة النفط الفنزويلية فإن عودة النفط الفنزويلي وهو من النوع الثقيل الذي تحتاجه المصافي الأمريكية في خليج المكسيك بشدة إلى الأسواق العالمية بكميات كبيرة، قد يؤدي إلى تخمة في المعروض، مما سيضغط على أسعار النفط للانخفاض لاحقا، وهو ما قد يزعج حسابات منظمة "أوبك+" بقيادة السعودية وروسيا.
الذهب في زمن "قرصنة الدول"
إذا كان النفط محكوما بمعادلة العرض والطلب، فإن الذهب محكوم بمعادلة "الخوف". ومن المتوقع أن يشهد المعدن الأصفر إقبالا محموما مع افتتاح الأسواق الآسيوية والأوروبية يوم الاثنين.
والسبب هنا لا يتعلق فقط بفنزويلا كدولة، بل بالسابقة الخطيرة التي أرستها واشنطن: "اختطاف رئيس دولة ذات سيادة".
هذا السلوك يعزز حالة "عدم اليقين السياسي العالمي"، ويدفع البنوك المركزية والمستثمرين للهروب من العملات الورقية والأسهم المتقلبة نحو الذهب كملاذ آمن وحيد.
وأي تصعيد كلامي من موسكو أو بكين الدائن الأكبر لفنزويلا سيصب المزيد من الزيت على نار أسعار الذهب، التي قد تكسر حواجز قياسية جديدة.
"وول ستريت": انتعاش قطاعات "الحرب والطاقة"
على صعيد أسواق الأسهم الأمريكية، يتوقع المحللون أن يكون المشهد متباينا، حيث ستعيد "عملية العزم المطلق" ترتيب أولويات المستثمرين:
أسهم الطاقة ، ستكون الرابح الأكبر بلا منازع. شركات عملاقة مثل "شيفرون" و"إكسون موبيل" قد تشهد قفزات سعرية بناء على وعود ترمب بمنحها حق الوصول الحصري إلى الآبار الفنزويلية.
أسهم الدفاع، مع تلويح ترمب بشن "هجوم ثان أكبر" واحتمالية إرسال قوات برية لحماية حقول النفط، ستنتعش أسهم شركات التصنيع العسكري مثل "لوكهيد مارتن" و"رايثيون".
السوق العام: قد يسود القلق والحذر في باقي القطاعات خوفا من تداعيات دولية، أو مقاطعة تجارية، أو أزمات دبلوماسية قد تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية.
عالم ما بعد "عملية العزم المطلق"
عندما يدق جرس الافتتاح في بورصة "وول ستريت" يوم الاثنين، لن تكون الأسواق تتفاعل فقط مع تغيير نظام في أمريكا اللاتينية، بل ستتفاعل مع نظام عالمي جديد حيث القوة العسكرية تترجم فورا إلى استحواذ اقتصادي مباشر.
إن نجاح خطة ترمب في "إدارة" فنزويلا وضخ نفطها قد ينعش الاقتصاد الأمريكي ويخفض أسعار الوقود للناخب الأمريكي، لكن الفوضى المحتملة وردود الفعل الدولية تجعل من تداولات الأيام القادمة "حقل ألغام" ماليا، حيث سيكون الرقص بين براميل النفط وسبائك الذهب محفوفا بالمخاطر العالية.
