
ما الذي يحدث في فرنسا؟ احتجاجات تتجاوز الشارع الفرنسي وتفتح سؤال "الربيع الأوروبي"
تتسع رقعة الاحتجاجات في فرنسا، وسط تصاعد الغضب من تراجع الأوضاع المعيشية وتفاقم المشكلات داخل المدارس، في مشهد يعيد إلى الواجهة أسئلة الاستقرار الاجتماعي والسياسي في أوروبا، وحدود قدرة الحكومات على احتواء الشارع قبل أن تتحول المطالب المعيشية والتعليمية إلى أزمة سياسية أوسع.
وفي نقاش عبر برنامج "نبض البلد" عبر قناة رؤيا، قدم أستاذ العلوم السياسية الدكتور جمال الشلبي، والصحفي في قناة "فرانس 24" من باريس وسيم الدالي، قراءتين مختلفتين للمشهد؛ إذ ركز الدالي على تداعيات الاحتجاجات والتحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الحكومة الفرنسية، فيما وضع الشلبي ما يجري في سياق أوسع، رابطا بين الضغوط الاقتصادية والتحولات الدولية، وطارحا تساؤلا بشأن احتمال تشكل ما وصفه بـ"ربيع أوروبي ديمقراطي".
الدالي: دعوات للتهدئة ومحاسبة المتورطين في أعمال الشغب
قال الصحفي وسيم الدالي إن الرئيس الفرنسي دعا إلى معالجة الثغرات الأمنية التي ظهرت خلال الأحداث الأخيرة، في وقت تتواصل فيه النقاشات بشأن الاستجابة الأمنية وكيفية التعامل مع الاحتجاجات التي شهدتها البلاد.
وأوضح الدالي أن الحكومة الفرنسية تتجه إلى إشراك ممثلين عن طلاب المدارس الثانوية في الحوار، بالتزامن مع دعوات إلى التهدئة وتجنب مزيد من التصعيد، في ظل ما تشهده البلاد من توترات لا تحتمل، بحسب تقديره، توسيع دائرة المواجهة.
وأشار إلى أن الأحداث رافقتها أضرار مادية طالت ممتلكات عامة ومؤسسات، إلى جانب توقيف عدد من المشتبه بتورطهم في أعمال الشغب، تمهيدا لإحالة ملفاتهم إلى القضاء، لافتا إلى أن التطورات فتحت سجالا سياسيا بشأن المسؤولية عن التصعيد وكيفية التعامل معه.
وتأتي هذه التطورات في وقت تجاوزت فيه الاحتجاجات الفرنسية حدود المطالب الطلابية، مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بنقص المعلمين، وتردي بعض المرافق المدرسية، والضغوط المعيشية. كما شهدت الاحتجاجات مواجهات وأعمال تخريب في عدد من المناطق، ما زاد الضغط على السلطات بين ضرورة الاستماع إلى المطالب والحفاظ على الأمن العام.
الشلبي: الأزمة لا تقتصر على فرنسا
من جهته، رأى الدكتور جمال الشلبي أن ما يحدث في فرنسا لا يمكن فصله عن موجة أوسع من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه دولا عدة، معتبرا أن الاحتجاجات تعكس تساؤلات متزايدة بشأن ما تقدمه الحكومات لمواطنيها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.
وربط الشلبي بين التوترات الدولية والتداعيات الاقتصادية التي تنعكس على المجتمعات، مشيرا إلى أن الحروب والأزمات الجيوسياسية واضطراب طرق التجارة والطاقة تزيد من الضغوط على الاقتصادات، وتفاقم شعور المواطنين بأن الأعباء اليومية باتت أكبر من قدرة الحكومات على احتوائها.
واعتبر أن الاحتجاجات تكشف اتساع الفجوة بين التوقعات الاجتماعية والواقع الاقتصادي، موضحا أن المجتمعات الأوروبية تواجه اليوم ضغوطا معيشية تفرض عليها تحديات لم تعد بعيدة عن تلك التي تعانيها دول أخرى في العالم.
وفي قراءته للمشهد الفرنسي، استحضر الشلبي مكانة فرنسا الاقتصادية وتاريخها السياسي، معتبرا أن الاحتجاجات يمكن أن تكون شكلا من أشكال التنفيس الديمقراطي والتعبير عن الاستياء، مستشهدا بموجات احتجاجية سابقة شهدتها البلاد، من بينها اضطرابات عام 2005.
"ربيع أوروبي" أم موجة احتجاجات عابرة؟
وطرح الشلبي توصيف "الربيع الأوروبي الديمقراطي" في قراءة لما تشهده فرنسا وما قد يمتد إلى دول أوروبية أخرى، في إشارة إلى احتمال تحول الاحتجاجات إلى مساحة أوسع للمطالبة بالتغيير ومساءلة الحكومات عن سياساتها الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن اتساع الاحتجاجات لا يعني بالضرورة أنها ستتحول إلى حركة أوروبية موحدة؛ فالمطالب تختلف من بلد إلى آخر، كما تتباين الاستجابات الحكومية والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بكل حالة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الاحتجاجات في فرنسا تتركز على أوضاع المدارس ونقص الكوادر التعليمية وتكاليف المعيشة، فيما ظهرت تحركات احتجاجية في دول أوروبية أخرى على خلفيات تتعلق بالسكن والغلاء والخدمات العامة. ويظل الربط بين هذه التحركات وتشكل موجة أوروبية موحدة احتمالا يحتاج إلى متابعة مسار الاحتجاجات ومطالبها ونتائجها.
وبين قراءة الدالي التي تضع الأمن والتهدئة والحوار في مقدمة الأولويات، وقراءة الشلبي التي تربط الاحتجاجات بأزمة اقتصادية وسياسية أوسع، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح الحكومات الأوروبية في احتواء الغضب عبر الاستجابة للمطالب، أم أن استمرار الضغوط المعيشية سيمنح الاحتجاجات زخما جديدا ويفتح الباب أمام تحولات سياسية أعمق؟