حاجز في الضفة

سياسات العزل والاستيطان والحصار المالي.. الاحتلال يعيد صياغة الواقع في الضفة الغربية لتهجير الفلسطينيين
لا تقتصر حرب الاحتلال على قطاع غزة، بل تمتد إلى الضفة الغربية المحتلة عبر مسار متصاعد يستهدف الأرض والإنسان والاقتصاد، ويعيد تشكيل الواقع الفلسطيني بواسطة الحواجز العسكرية والإغلاقات والتوسع الاستيطاني والاعتقالات، بالتزامن مع تشديد الخناق المالي على السلطة الفلسطينية.
وفي ظل انشغال العالم بالحرب على غزة، تتسارع إجراءات سلطات الاحتلال الرامية إلى عزل المدن والقرى الفلسطينية، وتقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين، وفرض وقائع ميدانية تخدم مشروع الضم وتكرس سيطرة الاحتلال على الأرض.
وتكشف هذه السياسات عن منظومة متكاملة لا تقف عند حدود السيطرة العسكرية، بل تطال تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين؛ من الوصول إلى أماكن العمل والمستشفيات والجامعات، إلى القدرة على زراعة الأرض وتسويق المنتجات وإدارة المؤسسات، بما يهدد تماسك الجغرافيا الفلسطينية ويضعف مقومات الصمود والبقاء.
الحواجز.. تقطيع أوصال الضفة
تحولت الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية والسواتر الترابية إلى أدوات رئيسية في عزل التجمعات الفلسطينية، إذ لم تعد الحركة بين المدن والقرى مسألة ترتبط بالـمسافة وحدها، بل باتت مرهونة بقرارات الاحتلال وإجراءاته الميدانية، التي يمكن أن تغلق طريقا أو تعزل بلدة أو تعطل وصول السكان إلى احتياجاتهم الأساسية.
ويظهر مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» مطلع عام 2025، أن عدد العوائق المادية أمام حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية بلغ 849 عائقا، شملت الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية والسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية.
وتتجاوز تداعيات هذه القيود إطالة زمن التنقل، لتطال الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية وسائر الممرافق الأساسية؛ إذ تشير البيانات المدرجة في التقرير إلى أن ثلث التجمعات الفلسطينية في الضفة يضطر سكانها إلى عبور ثلاثة حواجز على الأقل للوصول إلى أقرب مستشفى.
كما ارتفعت أوقات الانتظار بأكثر من 50% مقارنة بالفترة السابقة للحرب، وزاد متوسط التأخير من أقل من عشر دقائق إلى نحو 15 دقيقة عند الحاجز الواحد، فيما قد تمتد فترات الانتظار إلى ساعات في حالات عديدة.
ولا تقتصر القيود على الحواجز الثابتة؛ إذ تتزايد الحواجز المفاجئة والإغلاقات التي تستهدف مداخل البلدات والقرى، بما يضاعف عزلة السكان ويجعل تنقلهم اليومي خاضعا لظروف غير قابلة للتنبؤ.
وتبرز بلدة سنجل شمالي رام الله مثالا جليا على ذلك، بعدما أغلقت قوات الاحتلال خمسة من مداخلها المطلة على شارع 60، وأبقت مدخلا واحدا تحت سيطرتها، في إجراء يضيق حركة السكان ويزيد صعوبة وصولهم إلى محيطهم.
وبهذا المعنى، تتحول السيطرة على الطرق والمداخل إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي الفلسطيني؛ إذ تعزل التجمعات عن بعضها، وتتراجع قدرتها على التواصل الطبيعي، فيما تتزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تعطيل الحركة.
الاستيطان.. سباق للاستيالاء على الأرض
بالتزامن مع سياسة العزل، تواصل حكومة الاحتلال توسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، مستفيدة من الانشغال الدولي بالحرب على غزة لتكثيف الاستيلاء على الأراضي وتوسيع البؤر والمستوطنات وشق الطرق الالتفافية.
وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، شهد عام 2025 توسعا استيطانيا واسعا، شمل إقامة 185 بؤرة استيطانية جديدة، وتحويل 102 بؤرة وحي استيطاني إلى مستوطنات معترف بها من قبل سلطات الاحتلال، إلى جانب الدفع بمخططات لبناء أكثر من 40 ألف وحدة استيطانية.
كما شملت الإجراءات شق 223 كيلومترا من الطرق الالتفافية الجديدة، والإعلان عن نحو 26 ألف دونم بوصفها "أراضي دولة"، في خطوات توسع نطاق سيطرة الاحتلال على الأرض وتزيد تجزئة المناطق الفلسطينية.
ولا تنحصر خطورة هذه المشاريع في البناء الاستيطاني وحده، بل تمتد إلى تغيير طبيعة المجال المحيط بالممدن والقرى، عبر إنشاء تجمعات استيطانية وشبكات طرق تعيد ترتيب الوصول إلى الأراضي والموارد، وتفرض قيودا إضافية على التوسع العمراني الفلسطيني.
ويشكل عنف المستوطنين، الممدعوم في حالات عديدة بحماية قوات الاحتلال، أحد أبرز أدوات الضغط على التجمعات الفلسطينية، ولا سيما التجمعات الرعوية والزراعية التي تعتمد على الأرض مصدرا أساسيا للعيش.
ويورد التقرير أن هذه الاعتداءات أسهمت في تهجير 118 تجمعا رعويا فلسطينيا بالكامل، إلى جانب السيطرة على أكثر من 11 ألف دونم من الأراضي الممخصصة للزراعة.
وتعكس هذه الوقائع ترابط الاستيطان والتهجير والعزل؛ فمصادرة الأرض تقوض مصادر رزق الفلسطينيين، والاعتداءات تدفع السكان إلى الرحيل، فيما تؤدي الطرق والحواجز إلى فصل التجمعات عن أراضيها ومحيطها، بما يهيئ المجال لتوسيع السيطرة الاستيطانية.
الاعتقالات.. استهداف المجتمع الفلسطيني
لم تنفصل الإجراءات الجغرافية والاستيطانية عن تصاعد حملات الاعتقال التي طالت مختلف شرائح الممجتمع الفلسطيني، في سياق يفاقم الضغوط على الأسر ويقوض الاستقرار الاجتماعي.
وبحسب بيانات نادي الأسير الفلسطيني ومؤسسات الأسرى الواردة في التقرير، تجاوز عدد حالات الاعتقال في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى مايو/أيار 2025 حاجز 17 ألف حالة.
وترافقت هذه الحملات مع توسع استخدام الاعتقال الإداري، الذي يتيح احتجاز الفلسطينيين دون توجيه تهم معلنة أو محاكمات تقليدية، وسط استمرار الممخاوف الحقوقية بشأن ظروف الاحتجاز والانتهاكات داخل السجون.
وأشار التقرير إلى وجود أكثر من 3500 معتقل إداري، إلى جانب مئات الأطفال وعشرات الأسيرات، في ظل تصاعد الإجراءات التي تطال الأسرى وذويهم.
كما وثقت مؤسسات حقوقية استشهاد 73 أسيرا داخل سجون الاحتلال بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويونيو/حزيران 2025، جراء التعذيب والإهمال الطبي، وفقا للبيانات الواردة في النص الأصلي.
وتتجاوز آثار الاعتقال الفرد والأسرة، لتطال الممجتمع الفلسطيني بأسره، عبر استنزاف موارده الاجتماعية والاقتصادية، وتعميق حالة الخوف وعدم الاستقرار، بالتزامن مع استمرار الاستيطان والإغلاقات والاعتداءات.
المخيمات.. تدمير المكان وتهجير السكان
في شمالي الضفة الغربية، اتخذ العدوان على مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس منحى تدميريا واسعا، استهدف الممنازل والشوارع والبنية التحتية، وأدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان ومنعهم من العودة إلى مناطقهم.
وبحسب التقرير، تسببت العمليات العسكرية في مخيم جنين بنزوح نحو 22 ألف مواطن، وسط دمار واسع في الشوارع والبنية التحتية، فيما استمر حرمان السكان من العودة إلى منازلهم.
وفي مخيم طولكرم، أظهرت تحليلات صور الأقمار الصناعية هدم 335 منزلا، بمساحة إجمالية قاربت 32 ألفا و451 مترا مربعا. كما شقت قوات الاحتلال ووسعت 12 طريقا في محيط الممخيم، وارتفع متوسط عرض الطرق من 4.3 أمتار إلى نحو 16.7 مترا، على حساب الممنازل والأبنية الممهدمة.
أما مخيم نور شمس، فقد بلغ عدد المنازل الممهدمة فيه 134 منزلا، بمساحة تتجاوز 22 ألف متر مربع، بحسب المعطيات الممدرجة.
وفي مايو/أيار 2025، أقر الاحتلال مخططا لهدم 106 مبان في مخيمي طولكرم ونور شمس، بذريعة فتح الطرق وتغيير معالم المنطقة.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن آثار العمليات العسكرية لا تتوقف عند تدمير الممباني خلال المواجهات، بل تمتد إلى تغيير البنية العمرانية للمخيمات، وتوسيع الطرق على حساب الأحياء السكنية، وإعاقة عودة السكان إلى منازلهم.
كما حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» من استمرار هدم المنازل في المخيمات، في نمط يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل السكان واللاجئين وحقهم في العودة إلى مناطق سكنهم.
ويهدد هذا الدمار بتحويل المخيمات، التي تشكل شاهدا على قضية اللاجئين الفلسطينيين، إلى مناطق يصعب استعادة الحياة فيها، وسط مخاوف من أن تؤدي عمليات التهجير المتواصلة إلى فرض تغييرات ديمغرافية دائمة.
خنق الاقتصاد.. المقاصة والبطالة في دائرة الاستهداف
على الجبهة الاقتصادية، تتفاقم الأزمة الفلسطينية بفعل القيود الممفروضة على الحركة والعمل والتجارة، إلى جانب احتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية، الممعروفة بأموال الممقاصة، التي تشكل موردا أساسيا لموازنة السلطة الفلسطينية.
ويؤدي حجز هذه الأموال إلى تضييق قدرة الممؤسسات الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية، بما في ذلك دفع رواتب المموظفين وتمويل الخدمات العامة والممشاريع التطويرية، في وقت تتراجع فيه الممساعدات الخارجية وتتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد.
ويبين التقرير أن اقتصاد الضفة الغربية انكمش بنسبة 16% خلال عام 2024، فيما ارتفعت البطالة إلى أكثر من 42%، مقارنة بنحو 31% في عام 2023، في ظل منع آلاف العمال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الأراضي الممفروضة عليها السيطرة عام 1948، وتراجع النشاط الاقتصادي.
وتنتعش آثار هذه الأزمة سلبا على الممنشآت التجارية والصناعية والزراعية، التي تواجه صعوبات في نقل البضائع والممواد الخام، وتأخر وصول العمال، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتوزيع. كما تتضرر الأسواق الممحلية مع تراجع القدرة الشرائية للأسر، وتزداد الضغوط على الممؤسسات الصغيرة التي تعتمد على حركة منتظمة بين الممحافظات.
ولا تقف التداعيات عند حدود الدخل الفردي أو موازنات الممؤسسات، بل تمتد إلى قدرة الممجتمع الفلسطيني على الصمود؛ إذ يؤدي فقدان فرص العمل وتأخر الرواتب وتراجع النشاط التجاري إلى تعميق الفقر، وتقليص قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
ويعزز تداخل الأزمة المالية مع القيود الميدانية والاستيطان من حالة الاستنزاف الاقتصادي، في وقت تواجه فيه السلطة الفلسطينية صعوبة متزايدة في الحفاظ على مستوى الخدمات والإنفاق العام.
مشروع متكامل لتغيير واقع الضفة
تكشف هذه المسارات مجتمعة عن واقع يتجاوز الانتهاكات الممنفردة، نحو منظومة متداخلة تعيد تشكيل الأرض والحركة والاقتصاد في الضفة الغربية الممحتلة. فالحواجز تعزل الممدن والقرى، والاستيطان يوسع السيطرة على الأراضي، والاعتقالات تضاعف الضغط على الممجتمع، وتدمير الممخيمات يهدد استقرار السكان، فيما يفاقم الخنق المالي الأزمة المعيشية والممؤسسية.
وتكمن خطورة هذا المسار في تراكم آثاره؛ إذ يمكن لكل حاجز وإغلاق ومخطط استيطاني وإجراء مالي أن يبدو منفصلا، لكنه يسهم في الممحصلة في تقليص المجال الممتاح للفلسطينيين، وإضعاف الروابط بين تجمعاتهم، وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وبينما تستمر الحرب على غزة، تتعرض الضفة الغربية بدورها لتحولات تمس مستقبلها الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي، في ظل مساعي سلطات الاحتلال لفرض السيطرة وتوسيع الاستيطان وتقويض مقومات الحياة الفلسطينية.
ولا يقتصر التحدي على مواجهة إجراء بعينه، بل يمتد إلى التصدي لمسار يهدد وحدة الأرض الفلسطينية وحق سكانها في الحركة والعمل والسكن، ويجعل الحفاظ على الوجود الفلسطيني في الممدن والقرى والممخيمات معركة يومية في مواجهة سياسات العزل والتهجير والاستيالاء على الأرض.