آخر أخبار الأردن المحلية ومستجدات العالم العربي والدولي - رؤيا الإخباري

الذهب

1
الذهب

لماذا يعتبر الذهب في الأسواق الناشئة أكثر من مجرد استثمار

استمع للخبر:
نشر :  
منذ ساعة|

من السهل النظر إلى الذهب باعتباره أصلا ماليا تتحكم في مساره بالدرجة الأولى قرارات الاحتياطي الفيدرالي، وتحركات الدولار، والعوائد الأمريكية، وتدفقات المستثمرين في لندن ونيويورك.

فهو يسعر عالميا بالدولار، وتتفاعل أسعاره بسرعة مع السياسة النقدية الأمريكية وتحركات أسواق السندات.

لكن هذه الصورة لا تعكس سوى جزء من هذا السوق الواسع.

فجانب كبير من الطلب الحقيقي على الذهب يأتي من خارج المراكز المالية الغربية، وتحديدا من الأسواق الناشئة التي تلعب فيها المجوهرات والسبائك والادخار طويل الأجل واحتياطيات البنوك المركزية دورا أكبر بكثير مما قد توحي به متابعة الأسواق المالية وحدها.

الصين والهند، على سبيل المثال، تمثلان اثنتين من أكبر أسواق الذهب الاستهلاكي والاستثماري في العالم. وتركيا تعد من أبرز أسواق السبائك المادية، بينما تنظر أسر كثيرة في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا إلى الذهب باعتباره أداة لحفظ المدخرات.

كما أصبحت البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة مصدرا مهما للطلب مع سعيها إلى تنويع احتياطياتها من العملات الأجنبية.

وهنا تكمن أهمية هذه الأسواق، حيث أن دوافع الشراء فيها ليست بالضرورة هي نفسها التي تحرك المستثمر الغربي. فقد يرفع مدير صندوق أمريكي انكشافه على الذهب لأن عوائد سندات الخزانة تتراجع.

وفي الهند، قد يرتبط الطلب بموسم زفاف أو مناسبة اجتماعية. وقد يشتري مدخر تركي الذهب لحماية جزء من ثروته من التضخم المحلي أو ضعف العملة.

أما المستثمر الصيني فقد يراه بديلا أكثر جاذبية عندما تتراجع الثقة في العقارات أو تنخفض جاذبية بعض أدوات الدخل الثابت. وفي حالة البنوك المركزية، قد يكون الدافع هو تقليل الاعتماد على مجموعة محدودة من أصول الاحتياطيات.

كل قرار من هذه القرارات يبدو تأثيره محليا على اسعار الذهب عند النظر إليه منفردا. لكن عندما تتكرر هذه السلوكيات عبر أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين والمؤسسات، فإنها تتحول إلى قوة قادرة على التأثير في ميزان العرض والطلب العالمي.

الصين والهند ثقلهما وحده كاف لتغيير الصورة

تعتبر الصين والهند من أكبر أسواق الذهب في العالم، سواء من حيث الطلب على المجوهرات أو الاستثمار في السبائك والعملات الذهبية. وعندما يتغير سلوك المستهلكين والمستثمرين في هذين السوقين، لا يبقى الأثر محصورا داخل حدودهما.

خلال عام 2025، اشترى المستهلكون الصينيون نحو 432 طنا من سبائك وعملات الذهب، بينما بلغ الطلب الاستثماري الهندي قرابة 280 طنا. وبجمع الرقمين، استحوذت الدولتان على أكثر من نصف الاستثمار العالمي في السبائك والعملات الذهبية خلال العام.

ولم يتراجع هذا الثقل في 2026. ففي الربع الثاني من العام، ظلت الصين أكبر سوق للسبائك والعملات الذهبية عالميا، مع طلب بلغ نحو 107 أطنان.

ورغم أن هذا المستوى جاء أقل بكثير من القفزة الاستثنائية المسجلة في الربع الأول، عندما وصل الطلب إلى 207 أطنان، فإن النتيجة الإجمالية كانت لافتة حيث بلغ الطلب الصيني خلال النصف الأول من 2026 مستوى قياسيا عند 314 طنا.

الهند بدورها سجلت طلبا قدره 50 طنا من السبائك والعملات الذهبية في الربع الثاني، ليرتفع إجمالي النصف الأول إلى 113 طنا، وهو أقوى أداء للنصف الأول منذ عام 2013.

وتصبح دلالة هذه الأرقام أوضح عند مقارنتها بإجمالي السوق العالمية. فقد بلغ الطلب العالمي على السبائك والعملات الذهبية نحو 307 أطنان فقط في الربع الثاني.

الذهب يؤدي أدوارا أوسع في الأسواق الناشئة

لا تختلف الأسواق الناشئة عن الاقتصادات المتقدمة فقط في حجم الطلب على الذهب، بل أيضا في الطريقة التي يستخدم بها المعدن نفسه.

ففي الأسواق المالية المتقدمة، يمتلك المستثمر عادة مجموعة واسعة من البدائل. يمكنه الاختيار بين الأسهم، والسندات الحكومية، وسندات الشركات، وصناديق أسواق المال، والعقارات، والسلع، وغيرها من الأدوات الاستثمارية. وفي هذا السياق، يكون الذهب مجرد أصل واحد داخل محفظة متنوعة.

أما في عدد من الأسواق الناشئة، فإن دوره يتجاوز بكثير كونه أداة استثمار مالي. فقد يمثل الذهب في نفس الوقت وسيلة للادخار، وحليا للزينة، وتحوطا من التضخم، وحماية من ضعف العملة المحلية، وثروة يمكن اللجوء إليها في أوقات الطوارئ، وأصلا مرتبطا بالزواج والأسرة والميراث، إلى جانب كونه مخزنا للقيمة يمكن نقله والاحتفاظ به بسهولة نسبيا.

يفسر هذا التعدد في الاستخدامات سبب بقاء الطلب على الذهب أكثر صمودا مما قد يتوقعه البعض، حتى عندما ترتفع الأسعار إلى مستويات تاريخية. فالأسعار القياسية لا تعني بالضرورة أن المستهلك يتوقف عن شراء الذهب بالكامل، بينما في الواقع يتغير فقط شكل الشراء. قد تختار الأسرة قطعة مجوهرات أقل وزنا. وقد يفضل المستثمر سبيكة منخفضة التكلفة الإضافية بدلا من قطعة حلي مرتفعة المصنعية. وقد يقوم المشتري باستبدال ذهب قديم بقطعة جديدة لتقليل المبلغ النقدي الذي يحتاج إلى دفعه.

المجوهرات ليست دائما مجرد إنفاق استهلاكي

تظهر هذه الخصوصية بوضوح أكبر عند النظر إلى سوق المجوهرات. ففي كثير من الاقتصادات الغربية، تعامل المجوهرات أساسا باعتبارها سلعة استهلاكية أو منتجا للزينة. أما في أسواق مثل الهند، فقد تؤدي المجوهرات الذهبية وظيفة إضافية باعتبارها جزءا من ثروة الأسرة ومدخراتها طويلة الأجل.

وهذا الفارق مهم لأن الطلب على منتج يشترى جزئيا لحفظ الثروة لا يستجيب للأسعار بالطريقة نفسها التي يستجيب بها الطلب على السلع الاستهلاكية العادية.

ضعف العملة قد يجعل الذهب أكثر جاذبية محليا

رغم أن الذهب يسعر عالميا بالدولار الأمريكي، فإن المستثمر في الأسواق الناشئة لا يقيم مكاسبه وخسائره بالدولار دائما. ما يهمه فعليا هو سعر الذهب بعملته المحلية، وهنا يدخل سعر الصرف كعامل لا يقل أهمية عن حركة المعدن نفسه.

ولهذا لا يستخدم الذهب في عدد من الاقتصادات الناشئة كوسيلة للتحوط من التضخم فحسب، بل أيضا كوسيلة لحماية المدخرات من تراجع قيمة العملة. وكلما ازدادت الضغوط على سعر الصرف أو ارتفعت حالة عدم اليقين الاقتصادي، قد تصبح هذه الوظيفة أكثر أهمية.

الطلب على الذهب في الأسواق الناشئة

الصين تتحول تدريجيا إلى سوق استثمارية للذهب

لم تعد أهمية الصين في سوق الذهب مرتبطة بحجم استهلاك المجوهرات فقط. فخلال السنوات الأخيرة، أصبح الاستثمار يلعب دورا أكبر في الطلب المحلي، ما غير طبيعة السوق نفسها.

ساهمت عدة عوامل في هذا التحول، من بينها ضعف قطاع العقارات، وانخفاض العوائد المحلية، والقلق بشأن آفاق الاقتصاد. وفي بيئة كهذه، أصبح الذهب أكثر جاذبية لبعض المستثمرين باعتباره وسيلة بديلة لحفظ الثروة وتنويع المدخرات.

كما لم يعد التعرض للذهب في الصين مقتصرا على شراء السبائك أو المجوهرات. فالمستثمر يستطيع الوصول إلى المعدن الثمين عبر مجموعة أوسع من الأدوات، تشمل صناديق الذهب المتداولة، ومنتجات بورصة شنغهاي للذهب، والعقود الآجلة، وخطط تراكم الذهب التي تقدمها بعض البنوك، إضافة إلى السبائك والعملات التقليدية.

وتسمح خطط التراكم، على سبيل المثال، ببناء مركز في الذهب تدريجيا من خلال مشتريات دورية أصغر، بدلا من الحاجة إلى شراء كمية كبيرة دفعة واحدة. وهذا يجعل الاستثمار أكثر سهولة لفئات أوسع من المدخرين.

سوق الذهب في الهند يجمع بين التقاليد والاستثمار الحديث

تتميز سوق الذهب الهندية بأنها تعمل عبر مسارين متوازيين. فمن جهة، ما يزال المعدن مرتبطا بقوة بالعادات الاجتماعية والمناسبات الدينية، ومن جهة أخرى يتوسع استخدامه كأصل مالي يمكن الاستثمار فيه من خلال أدوات حديثة.

فالذهب يحتفظ بمكانة خاصة في حفلات الزواج والمهرجانات الكبرى مثل ديوالي وأكشايا تريتيا، وهو ما يمنح الطلب الهندي طابعا موسميا واضحا. وخلال هذه الفترات، قد يرتفع الإقبال على المجوهرات والسبائك حتى في ظل مستويات سعرية مرتفعة، لأن قرار الشراء لا يعتمد على الاعتبارات الاستثمارية وحدها.

هناك عامل آخر يجعل السوق الهندية مختلفة عن كثير من الأسواق المالية الكبرى، وهو الدخل الريفي. فالزراعة ما تزال مصدر دخل مهما لقطاع واسع من الأسر الهندية، ولذلك يمكن لأداء الموسم الزراعي أن ينعكس بصورة مباشرة على القدرة على شراء الذهب.

الشرق الأوسط سوق استهلاك ومركز لحركة الذهب 

يلعب الشرق الأوسط دورا مزدوجا في سوق الذهب. فمن ناحية، توجد قاعدة قوية من الطلب على المجوهرات والسبائك والعملات. ومن ناحية أخرى، تمثل المنطقة مركزا مهما لتجارة المعدن وإعادة توزيعه بين أسواق مختلفة.

وتبرز الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، كحلقة مهمة في حركة الذهب بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، ما يمنح المنطقة أهمية تتجاوز حجم الاستهلاك المحلي وحده. وخلال الربع الثاني من 2026، بلغ الطلب على السبائك والعملات الذهبية نحو 4.2 طن في السعودية و5.3 طن في الإمارات و6.2 طن في مصر.

جنوب شرق آسيا تضيف طبقة أخرى من الطلب المادي

تمثل دول مثل تايلاند وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا مصدرا إضافيا مهما للطلب الفعلي على الذهب، لكن أداء هذه الأسواق لا يتحرك دائما في اتجاه واحد. ففي الربع الثاني من 2026، سجلت تايلاند أقوى أداء لها في ربع ثان منذ عام 2019، بينما حققت إندونيسيا نموا قويا في الطلب الاستثماري. أما في فيتنام، فجاء الطلب أضعف، في وقت ساهمت فيه القيود المفروضة على الاستيراد في رفع الأسعار المحلية مقارنة بالسوق العالمية.

علاوات الأسعار المحلية تكشف ما يحدث داخل السوق الفعلية

يمكن للفارق بين سعر الذهب داخل دولة معينة والسعر العالمي أن يقدم إشارة واضحة على توازن العرض والطلب في السوق المحلية.

فعندما يتداول الذهب بعلاوة واضحة فوق السعر العالمي في سوق استهلاكية كبيرة، قد يعني ذلك أن الطلب المحلي قوي أو أن المعروض المتاح لا يكفي لتلبيته بسهولة. أما إذا ظهر الذهب بخصم، فقد يكون ذلك علامة على ضعف الشراء أو وفرة المعدن داخل السوق.

في الهند على سبيل المثال، تداول الذهب خلال أجزاء من أغسطس 2026 دون مستوى تكافؤ الاستيراد، ما أشار إلى أن الإمدادات المحلية كانت كافية نسبيا. وساهم أيضا استبدال المجوهرات القديمة في إعادة كميات من الذهب إلى السوق، ما خفف الحاجة إلى واردات إضافية.

أما في الصين، فتراقب العلاوات المحلية باعتبارها مؤشرا على قوة الطلب. فكلما ارتفعت هذه العلاوات، زادت الإشارة إلى أن السوق المحلية مستعدة لدفع سعر أعلى لجذب مزيد من المعدن من الخارج.

خاتمة: لماذا تستطيع الأسواق الناشئة تغيير منظور الذهب

غالبا ما يشرح الذهب من خلال إطار اقتصادي غربي بسيط نسبيا:

الاحتياطي الفيدرالي يخفض الفائدة ← العوائد تتراجع ← الدولار يضعف ← الذهب يرتفع.

هذه العلاقة لا تزال مهمة للغاية. لكنها لم تعد كافية وحدها لفهم سوق الذهب الحديثة.

فقد يرتفع الطلب لأن الأسر الصينية تبحث عن بدائل للعقارات. وقد يستغل المستثمر الهندي هبوط الأسعار للشراء بينما تسجل صناديق المؤشرات الغربية تدفقات خارجة. وقد يلجأ المدخر التركي إلى الذهب لحماية ثروته من التضخم وضعف العملة. وقد يتغير الطلب في الشرق الأوسط استجابة للمخاطر الجيوسياسية، بينما تستمر بنوك مركزية في الاقتصادات الناشئة في زيادة احتياطياتها ضمن استراتيجية أوسع لتنويع الأصول.

هذا التنوع يمنح سوق الذهب قاعدة طلب أكثر اتساعا، ويقلل اعتماده على محرك واحد فقط.

كما لا تقتصر أهمية الاقتصادات الناشئة على كونها من كبار المشترين. فهي تضم أيضا عددا من الدول الرئيسية في إنتاج الذهب عالميا، ما يعني أن السياسات الاقتصادية والتنظيمية داخل هذه الأسواق يمكن أن تؤثر في المعروض العالمي أيضا

  • الذهب