جلالة الملك عبد الله الثاني

خطاب الملك عبدالله الثاني يكشف سياسات الاحتلال.. وغضب "إسرائيلي" يطال الأردن ومياه المملكة
أثار خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة موجة واسعة من ردود الفعل في أوساط مستخدمين إسرائيليين، امتدت من انتقاد موقف الأردن إلى دعوات لاتخاذ إجراءات ضد المملكة، وصولا إلى هجمات شخصية استهدفت جلالة الملك، وذلك بعد خطاب وضع سياسات حكومة الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية وسوريا أمام المجتمع الدولي.
وجاء خطاب جلالة الملك مباشرا في توصيف ما يجري، إذ دعا إلى عدم استخدام لغة مخففة لوصف الوقائع على الأرض، مؤكدا أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة لم يعد مجرد سلسلة من الإجراءات المنفصلة، وإنما تحول إلى سياسة تعيد تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي.
وفي غزة، قال جلالة الملك إن الأدلة على ما يجري "هائلة"، مشيرا إلى استشهاد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني خلال أول 300 يوم من وقف إطلاق النار المعلن، واستهداف المستشفيات الميدانية الأردنية، واستمرار الهجمات وتدمير البنية التحتية المدنية، إلى جانب دفع الفلسطينيين إلى مناطق ضيقة من القطاع.
وشدد جلالته على أن ما يحدث لم يعد بالإمكان وصفه بأنه إجراءات عسكرية مؤقتة أو مجرد نتيجة للحرب، معتبرا أن المساءلة تبدأ عندما يتم وصف الأفعال بمسمياتها الحقيقية، محذرا من محاولة محو الحياة الفلسطينية وفرض واقع جغرافي جديد في غزة.
الضفة الغربية.. من الاستيطان إلى فرض واقع جديد
وخصص جلالة الملك جانبا رئيسيا من خطابه لما يجري في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدا أن التطورات هناك لا يمكن التعامل معها باعتبارها استمرارا لما سبق.
وأشار إلى تصاعد عنف المستوطنين، والاعتداء على الفلسطينيين، وإحراق المنازل وتدمير الممتلكات ودفع العائلات إلى مغادرة أراضيها، بالتزامن مع تشديد حكومة الاحتلال قبضتها على أجزاء أكبر من الضفة الغربية، والاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات.
وتحدى جلالته المصطلحات المستخدمة لوصف هذه الممارسات، موضحا أن هدم المنازل الفلسطينية لتوسيع المستوطنات غير القانونية لا يمكن وصفه بأنه "إنفاذ للقانون"، وأن الاستيلاء على الأراضي المحتلة ليس مجرد "تسجيل للأراضي"، وإنما يمثل ضما فعليا للأراضي.
كما أشار إلى أن شبكة الحواجز ونقاط التفتيش التي تخنق حركة الفلسطينيين ليست مجرد بنية تحتية أمنية، وإنما جزء من واقع يفرض السيطرة على السكان.
وأكد جلالته أن ما يحدث في الضفة الغربية ليس مجموعة من الحوادث المنفصلة، بل عناصر لسياسة واحدة تهدف إلى دفع سكان فلسطينيين إلى مغادرة أرضهم، مشددا على أن هذا، وفق توصيفه، يمثل تهجيرا قسريا وجريمة حرب.
غزة والضفة.. هدف واحد
وربط جلالة الملك بين التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية، مؤكدا أن التعامل معهما باعتبارهما قضيتين منفصلتين يمثل أحد الأوهام التي يجب التخلي عنها.
وقال إن غزة والضفة الغربية هما "جبهتان للاستراتيجية الإسرائيلية نفسها"، ففي غزة تتم إعادة تشكيل الواقع من خلال التدمير، بينما يجري في الضفة الغربية إعادة تشكيل الواقع من خلال الضم الفعلي، محذرا من أن الهدف النهائي هو جعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرا مستحيلا.
كما حذر جلالته من أن رفض حكومة الاحتلال إقامة الدولة الفلسطينية لا يبدو موقفا قابلا للتغيير، بل يجري ترسيخه على الأرض من خلال تسريع الاستيطان ومصادرة الأراضي.
سوريا والمياه.. تحذير ملكي مباشر
ولم يتوقف خطاب جلالة الملك عند الأراضي الفلسطينية، إذ انتقل إلى التداعيات الإقليمية لسياسات حكومة الاحتلال، محذرا من أن طموحاتها التوسعية أصبحت "تهديدا إقليميا"، وأن ما يجري في سوريا يمثل تحذيرا للمجتمع الدولي.
وأشار جلالته إلى التوغلات المتكررة والتوسع الجغرافي التدريجي وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك المناطق المحيطة بمصادر مائية حيوية.
وقال بوضوح إن الأردن لا يملك أي غموض في موقفه، مؤكدا أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني، وأن الأردن لن يتجاهل ذلك وسيعمل على حماية أمنه ومياهه ومصالح شعبه.
وتساءل جلالته أمام المجتمع الدولي: إذا واصلت حكومة الاحتلال نهجها العدائي في جنوب سوريا، فهل سيقف المجتمع الدولي متفرجا ويسمح باستمرار ذلك؟
خطاب الملك يضع الاحتلال أمام اختبار دولي
وبذلك، لم يكتف خطاب جلالة الملك بانتقاد العمليات العسكرية أو الاستيطان، وإنما وضع سياسات حكومة الاحتلال ضمن إطار أوسع، يتصل بإعادة رسم الواقع الجغرافي في المنطقة وفرض وقائع جديدة تتجاوز الأراضي الفلسطينية.
وأكد جلالته أن استمرار صمت المجتمع الدولي أو الاكتفاء بإدارة الأزمات يسمح بمواصلة فرض هذه الوقائع، محذرا من أن عدم التحرك يشجع حكومة الاحتلال على اختبار حدود جديدة، سواء على صعيد الأراضي الفلسطينية أو الحدود الإقليمية.
ودعا خطاب جلالة الملك إلى تحرك دولي جاد لمواجهة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والتهجير القسري، مؤكدا أن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه وجذوره.
نتنياهو يرد.. ويتهم الأردن بـ"التشهير"
وبعد خطاب جلالة الملك، جاء رد مباشر من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي اتهم الأردن بـ"التشهير بإسرائيل" من على منصة الأمم المتحدة.
ويأتي رد نتنياهو في وقت تصاعد فيه النقاش السياسي داخل كيان الاحتلال حول مستقبل الضفة الغربية ودور الأردن المحتمل فيها، خصوصا بعد طرح زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان مقترحا يتعلق بإسناد مسؤوليات أمنية وإدارية للأردن في أجزاء من الضفة الغربية.
ورفض نتنياهو المقترح، منتقدا ليبرمان ومعتبرا أن الطرح غير مقبول، في وقت وضع فيه خطاب جلالة الملك الأردن في قلب النقاش الإقليمي والدولي المتعلق بمستقبل الضفة الغربية.
دعوات إسرائيلية لمعاقبة الأردن
وعقب الخطاب، انتشرت منشورات على منصات التواصل الاجتماعي من مستخدمين إسرائيليين دعت إلى اتخاذ إجراءات بحق الأردن ودول أخرى تنتقد سياسات حكومة الاحتلال.
ودعا أحد المنشورات حكومة الاحتلال إلى جعل "حلفائها" يدفعون ثمن ما وصفه الكاتب بأنه إجراءات ضد كيان الاحتلال، مسميا فرنسا وبريطانيا والأردن.
وذهبت منشورات أخرى إلى الدعوة لقطع إمدادات المياه عن الأردن، على خلفية موقف المملكة من سياسات حكومة الاحتلال وانتقاداتها لها على المستوى الدولي.
لكن هذه الدعوات تتجاهل أن ترتيبات المياه بين الأردن وكيان الاحتلال تستند إلى معاهدة ثنائية، وليست مجرد "مساعدة إسرائيلية" للأردن.
فمعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية لعام 1994 تضمنت ترتيبات وحصصا مائية متفقا عليها وآليات للتعاون في مجال المياه، كما تضمنت أحكاما تتعلق بتزويد الأردن بكميات إضافية من المياه، في إطار اعتراف الطرفين بأن مواردهما المائية غير كافية لتلبية احتياجاتهما والحاجة إلى التعاون لمواجهة النقص المائي.
العلاقة الدبلوماسية لا تعني الموافقة على سياسات الاحتلال
ورغم استمرار العلاقات الدبلوماسية بين الأردن وكيان الاحتلال، حافظت المملكة على موقف سياسي واضح تجاه القضية الفلسطينية.
ويؤكد الأردن باستمرار دعمه لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ورفضه للتهجير القسري للفلسطينيين، إلى جانب رفض الإجراءات التي تستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة، وضع جلالة الملك هذه المواقف في سياق أوسع، مؤكدا أن تحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة لا يمكن أن يتم من دون ضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والوصول إلى حل سياسي ينهي الصراع.
هجمات شخصية على الملك
وتجاوزت بعض ردود الفعل الإسرائيلية انتقاد الموقف السياسي الأردني إلى استهداف جلالة الملك عبدالله الثاني شخصيا، من خلال الاتهامات على خلفية موقف المملكة من القضية الفلسطينية وسياسات حكومة الاحتلال.
وتكشف هذه الردود عن حجم الحساسية التي أثارها خطاب جلالة الملك، بعدما لم يكتف بتناول الحرب في غزة، بل ربط بين ما يحدث في غزة والضفة الغربية والتطورات في جنوب سوريا، ووضع أمن الأردن المائي والحدودي في صلب التحذير الذي وجهه إلى المجتمع الدولي.
الأردن في قلب النقاش الإسرائيلي
وبين خطاب جلالة الملك وردود الفعل التي أعقبته، وجد الأردن نفسه في قلب نقاش سياسي وإعلامي داخل كيان الاحتلال، يتعلق بالقضية الفلسطينية ومستقبل الضفة الغربية والعلاقات الأردنية مع كيان الاحتلال.
فمن جهة، كشف الخطاب أمام المجتمع الدولي ما وصفه جلالة الملك بسياسات تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع في غزة والضفة الغربية وفرض وقائع جديدة في المنطقة.
ومن جهة أخرى، أظهرت ردود الفعل الإسرائيلية أن الرسائل المتعلقة بالحدود الشمالية للأردن والأمن المائي لم تكن منفصلة عن النقاش الأوسع حول تداعيات سياسات حكومة الاحتلال في سوريا والمنطقة.
وفي المحصلة، وضع خطاب جلالة الملك ثلاثة ملفات مترابطة أمام المجتمع الدولي: مستقبل القضية الفلسطينية، تداعيات سياسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتهديدات التي قد تطال أمن الأردن وحدوده ومياهه نتيجة التطورات الإقليمية.
وأكد جلالته أن الأردن لن يتجاهل أي تهديد لأمنه الوطني، وأن حماية الحدود والمياه ومصالح الشعب الأردني تمثل ثوابت لا يمكن تجاوزها.