
المومني وأبو طير: المشهد الإقليمي يعيش جمودا عالقا و"إسرائيل" تستفرد بالفلسطينيين
قال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية الدكتور حسن المؤمني إن المشهد الإقليمي العام يعيش حالة من "شبه الجمود"، رغم استمرار التصعيد من وقت إلى آخر، مرجحا استمرار هذا الوضع إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأميركية، في ظل عدم تقديم أي من أطراف الصراع تنازلات كافية يمكن أن تحدث فرقا في المشهد.
وأضاف الـمؤمني، خلال استضافته في برنامج "نبض البلد" على "قناة رؤيا"، أن التصعيد الإسرائيلي مستمر في سياق بناء المستوطنات، وأن جزءا من هذا التصعيد يرتبط بالعملية الانتخابية الداخلية في إسرائيل، مشيرا إلى أنه حتى في حال فوز غادي آيزنكوت وشخصيات أخرى في الانتخابات الإسرائيلية، فلن يكون هناك تغيير نوعي، وإن كان من الـممكن أن تطرأ بعض التحولات.
وأوضح أن غادي آيزنكوت -منافس نتنياهو- ينتمي إلى تيار يمين الوسط، وأن أي حكومة إسرائيلية مقبلة، باستثناء حكومة بنيامين نتنياهو، ستتعامل مع واقع جديد فرضته أحداث السابع من أكتوبر، إلا أن الانتقال من عقلية الحرب إلى السلام مع الفلسطينيين ليس متوقعا على الـمدى القصير.
وأكد الـمؤمني أن الأولويات داخل إسرائيل أصبحت داخلية، لكنه شدد في الوقت ذاته على عدم إغفال العزلة الدولية التي تعيشها إسرائيل، معتبرا أن نتنياهو "خسر العالم"، إلا أن ذلك لن يقود بالضرورة إلى تحول جوهري في السياسة الخارجية الإسرائيلية.
وأشار إلى أن فوز نتنياهو سيكون "كارثيا" من وجهة نظره، لأنه سيعني عمليا تفويضا وموافقة من جزء من الـمجتمع الإسرائيلي على سياساته، ما سيدفعه إلى الحفاظ على ائتلافه، مؤكدا أنه حتى في حال تشكيل حكومة جديدة وبدء عملية سياسية، فإنه لا يتوقع خلال سنة إلى سنتين عودة إلى حالة سلمية على الجبهة الفلسطينية.
وفي الـملف اللبناني، رأى الـمؤمني أن هناك إمكانية لتحقيق إنجازات خلال عام إلى عامين، بينما لا يزال الـملف اليمني يشهد غيابا واضحا لأي طرف محلي أو دولي قادر على حسم الأمور.
وقال إن النتيجة على الـمدى القصير تتمثل في استمرار إدارة الأزمات والصراعات بدلا من حسمها.
إيران والولايات الـمتحدة.. صراع الانتخابات والـمصالح
ولفت المؤمني إلى أن إيران، وفق تقديره، تدرك طبيعة السياسة الداخلية الأميركية، ولم تقدم حتى الآن تنازلات، معتبرا أن من مصلحة طهران بقاء الإشكالية قائمة خلال الانتخابات الأمريكية، وأن تميل نتائج الانتخابات لصالح الديمقراطيين.
وأضاف أن الصين تستفيد من حالة الاستنزاف الأمريكي، وأن مواجهة بين الصين والولايات الـمتحدة ستحدث عاجلا أو آجلا، وليس بالضرورة أن تكون مواجهة عسكرية، مشيرا إلى أن بكين تعمل على إنشاء جدار يحميها من أي عقوبات اقتصادية محتملة نتيجة الـمواجهة مع واشنطن.
وبحسب الـمؤمني، فإن روسيا تستفيد من إدارة ترمب، خصوصا مع الإعفاءات أو تخفيف العقوبات المتعلقة بالنفط الروسي، كما أن الاشتباك الأمريكي الروسي والخلاف الأوروبي الأميركي يصبان، في تقديره، في مصلحة الصين.
وأكد أن استمرار الوضع على حاله يضر بالدرجة الأولى بالمنطقة والولايات الـمتحدة.
أبو طير: الأزمات معلقة لكنها تتوسع
من جهته، قال الكاتب والـمحلل السياسي ماهر أبو طير إن أزمات الـمنطقة "عالقة في هذا التوقيت، لكنها متحركة"، مشيرا إلى أن الأزمات لا تشهد حسما، وفي الوقت ذاته تتوسع وتمتد إلى ساحات جديدة.
وأضاف أبو طير، خلال استضافته في برنامج نبض البلد، أن احتمالات التقارب في الـمنطقة لا تزال منخفضة جدا، معتبرا أن الولايات الـمتحدة ربما تستفيد من الوضع القائم، ولو أرادت إنهاء هذه الأزمات لفعلت ذلك منذ وقت بعيد.
وقال إن الولايات الـمتحدة من أكثر الدول قدرة على توظيف الخصوم، مرجحا أنها لا تريد إنهاء الخصومة مع إيران، وإنما تحويل إيران إلى عنصر ضغط على الإقليم واستخدامها لابتزاز الـمنطقة سياسيا واقتصاديا.
وأشار إلى أن الـملف الروسي يمثل جزءا صغيرا من الـمشهد الرئيسي، بينما يعيش الإقليم حالة من الغموض، معتبرا أن أخطر ما في الـمشهد هو اختلاط جميع الـملفات ببعضها.
وأوضح أن ما وصفه بالصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني جر ما لا يقل عن عشر دول عربية إلى تداعياته، متسائلا عما إذا كانت الولايات الـمتحدة ستتجه إلى الحسم العسكري قبل الانتخابات أم إلى تسوية، ومؤكدا أن الـمنطقة لا تزال في بداية مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط التي يتحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
الضفة وغزة.. ملفات تتراجع وإسرائيل تستفرد
وفي الشأن الفلسطيني، قال أبو طير إن ملف الضفة الغربية تراجع بشكل كبير بفعل الأزمات الأخرى، وإن الأزمة الإيرانية أصبحت هي الطاغية على الـمشهد، بينما تستفرد إسرائيل بملف الضفة الغربية بشكل واضح.
وأشار إلى أن ملف غزة يغيب بشكل كبير عن الإعلان، وكأن إسرائيل تستفرد بالفلسطينيين في ظل هذه الظروف، محذرا من أن عدم حسم الـمشهد في الشرق الأوسط، سواء عبر التسوية أو الحرب، يصب في مصلحة إسرائيل من خلال استمرار التوسع.
وتوقع أبو طير وجود جبهات مقبلة قد تدخل في اشتباك مع إسرائيل، ومنها العراق وجبهة الحوثيين في اليمن، في حال قرر أحد الطرفين توجيه ضربات إلى إسرائيل، لافتا إلى أن الأطراف تدرك كلفة الضربات الإسرائيلية، ولذلك تحجم عن الرد بما قد يؤدي إلى توسيع الـمعركة.
وأكد أن إسرائيل ليست غائبة عن الـملفات الإقليمية، معتبرا أن جميع الأزمات مفتوحة، وأن الاحتلال يتمدد على مختلف الجبهات، ما يعني أن الـمخاطر الـمقبلة ستكون أكبر وأخطر ما لم تحدث مفاجآت إقليمية تعيد إنتاج الخريطة الحالية.
"لسنا أمام أفراد.. بل أمام مشروع إسرائيلي"
وقال أبو طير إن الـمشهد لا يتعلق فقط بأشخاص أو تحالفات حزبية، وإنما بمشروع إسرائيلي تقوده التيارات الدينية الـمتطرفة واليمين، مشيرا إلى أن هذه التيارات تسللت بشكل كبير إلى الجيش الإسرائيلي.
وأضاف أن فوز نتنياهو أو مجيء رئيس وزراء جديد لن يغير جوهر الـمشكلة، لأن إسرائيل، بحسب تقديره، أمام «مشروع» وليس أمام أفراد.
واستشهد أبو طير بما جرى بعد السابع من أكتوبر، قائلا إن رد الفعل الإسرائيلي توسع إلى درجة شملت حرق القطاع، والتوسع في سوريا ولبنان، والتخطيط للتوسع نحو جبهات أخرى، معتبرا أن إسرائيل لن تتراجع عن مشروع التوسع.
وأكد أن الرهان على التغيير داخل إسرائيل يجب أالا يكون كبيرا، لأن الـمجتمع الإسرائيلي، وفق تقديره، لولا الحرب «لتفكك عقده»، أما الآن فهو يشعر بخطر مضاعف، ويرى في البرنامج الذي ينفذه نتنياهو برنامج حماية لا بديل عنه.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الإقليم
وختم أبو طير بالقول إن القراءة الأعمق للمشهد تقتضي عدم ربط مستقبل الـمنطقة فقط بما سيجري في الانتخابات الإسرائيلية، وإنما النظر إلى مجمل التطورات والضغوط الـمحيطة بالإقليم.
وأكد أن الـمنطقة أمام مشروع استراتيجي لن يتوقف إلا في حالات محددة، أولها أن يتمدد الـمشروع الإسرائيلي سلميا بدلا من التوسع العسكري، وثانيها أن يتمدد عسكريا، فيما يتمثل السيناريو الثالث في حدوث اختلال في موازين القوة يقود إلى مواجهة عسكرية تجر جميع دول الـمنطقة إلى حرب مفتوحة.
ورأى أن سيناريو الحرب الإقليمية الشاملة لا يزال واردا، إلا أنه يبدو مؤجلا قليلا في ظل عناصر القوة الـموجودة في الإقليم وحجم الـمواجهة القائمة.