آخر أخبار الأردن المحلية ومستجدات العالم العربي والدولي - رؤيا الإخباري

العمارة الحجازية

2
العمارة الحجازية

جدة التاريخية: رحلة داخل البلد وأسرار العمارة الحجازية

استمع للخبر:
نشر :  
منذ 3 ساعات|

خلف واجهة جدة الزجاجية الحديثة، وعلى بعد دقائق فقط من ناطحات السحاب، تختبئ مدينة أخرى بالكامل.

أزقتها لا تتسع لسيارتين، ومبانيها الخشبية محفورة بزخارف دقيقة عمرها يتجاوز المئة عام في كثير من الأحيان. هذه هي منطقة البلد، النواة الأصلية لجدة، والتي ظلت لقرون نقطة العبور الأولى لكل قادم إلى مكة المكرمة عبر البحر.

من يخطط لقضاء يوم كامل — أو أكثر — هنا يجد نفسه غالبا يرتب حجز فنادق جدة في فندق قريب من المنطقة أولا، لسبب بسيط: بعد غروب الشمس، تريد أن تمشي بين الأزقة دون التفكير بموقف السيارة أو زحمة العودة. في هذا المقال جولة مطولة داخل البلد، بتفاصيل قد لا تجدها في دليل سياحي عادي.

مدينة أقدم من اسمها الحالي

تختلف الروايات التاريخية قليلا حول اللحظة الدقيقة، لكن أغلب المصادر تعيد تأسيس جدة كميناء رسمي إلى عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، حين اتخذها ميناء لمكة المكرمة عام 26 للهجرة، الموافق 647 ميلاديا تقريبا.

منذ تلك اللحظة، تحولت المدينة إلى ممر إجباري لكل حاج ومعتمر وتاجر قادم من إفريقيا وآسيا عبر البحر الأحمر في طريقه إلى الحرم.

هذا الدور المتكرر على مدى قرون هو ما شكل طابع البلد الفريد؛ فالمباني هنا تحمل بصمات معمارية من مصر والشام والهند وشرق أفريقيا في آن واحد، بطريقة لا تتكرر في أي حي آخر بالمملكة.

سنة 2014: حين اعترف العالم رسميا بقيمة البلد

في عام 2014 أدرجت منظمة اليونسكو منطقة البلد ضمن قائمة مواقع التراث العالمي، تحت اسم رسمي هو "جدة التاريخية، بوابة مكة".

القرار لم يكن مفاجئا لمن يعرف المنطقة عن قرب؛ فهي تضم اليوم أكثر من 650 مبنى تراثيا، بعضها محافظ تماما على رونقه الأصلي وبعضها الآخر يخضع لمشاريع ترميم مستمرة ضمن خطط تطوير جدة التاريخية التي تتوسع سنة بعد أخرى.

الروشان: حل هندسي قبل أن يكون زخرفة

أول ما يلفت انتباه أي زائر هو الروشان — تلك الشرفات والنوافذ الخشبية المزخرفة التي بناها كبار تجار جدة أواخر القرن التاسع عشر.

كثيرون يظنونها مجرد زينة، لكنها في الحقيقة حل هندسي بارع: تسمح بمرور الهواء وتخفف حرارة الشمس المباشرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية نساء البيت اللاتي كن يستطعن مراقبة الشارع دون أن يراهن أحد.

تذكر أن كل هذا صمم في زمن لم تكن فيه المكيفات قد اخترعت بعد، وهذا وحده يكفي لتقدير ذكاء البناة القدامى.

تسعة أبواب وسور صمد أمام حصار حقيقي

كانت جدة القديمة محاطة بسور له تسعة أبواب رئيسية، لكل باب حكايته الخاصة واسمه الذي ارتبط لاحقا بالحي المحيط به.

هذا السور لم يكن رمزيا؛ فقد ساهم فعليا في صد محاولة حصار برتغالي على المدينة عام 1517 ميلاديا.

اليوم لم يعد السور قائما بكامله، لكن أسماء الأبواب ما زالت تتردد في أسماء الأحياء المحيطة، وكأن المدينة ترفض أن تنسى تلك الحقبة كليا.

أسواق البلد: أين تشتري، وأين تجلس فقط لتراقب

لا تكتمل زيارة البلد دون التجول في أسواقها، وأشهرها سوق الندى، الذي تأسس قبل أكثر من 150 عاما داخل أسوار المدينة القديمة، ويضم اليوم قرابة 500 محل تجاري، معظمها متخصص في بيع الأحذية، وإن كان يمكنك إيجاد كل شيء تقريبا فيه. أما سوق العلوي، المعروف محليا باسم سوق قابل، فهو سوق مفتوح يمتد من نهاية شارع قابل حتى باب مكة شرقا، وتكثر فيه محال العطارين والمقاهي الشعبية وبائعو الملابس الجاهزة، وهو المكان الذي يقع فيه أشهر معلم في البلد كله.

بيت نصيف: أحد أشهر معالم سوق العلوي، بدرجه الداخلي الواسع الذي يقال إن الملك عبدالعزيز استخدمه ليركب حصانه صعودا، ونوافذه الخشبية المطلة على الشارع.

سوق الندى: للأحذية أساسا، لكن أيضا للتوابل والبخور والحرف اليدوية الصغيرة المنتشرة بين المحال.

متحف البحر الأحمر: افتتاح حديث نسبيا داخل البلد، يروي علاقة جدة التاريخية بالملاحة والغوص واللؤلؤ.

المسجد الأبيض وعدد من المساجد الأثرية الأخرى المنتشرة بين الأزقة، وبعضها ما زال يقيم الصلوات الخمس بشكل طبيعي.

متى تزور؟ الجواب مرتبط بالطقس أكثر مما تظن

جدة مدينة حارة رطبة معظم أشهر السنة، ويونيو تحديدا هو الشهر الأشد حرارة بمعدل يقارب 39 درجة مئوية، بينما يناير هو الأبرد بمعدل قريب من 29 درجة.

هذا يعني عمليا أن الفترة الممتدة من أكتوبر إلى أبريل هي الأنسب للتجول في أزقة البلد سيرا لساعات طويلة دون إرهاق.

لكن حتى في الصيف، يبقى المساء بعد صلاة المغرب هو الوقت الأمثل؛ فالمنطقة تنبض بالحياة حتى ساعات متأخرة من الليل، مع مقاه شعبية وبائعي أطعمة تقليدية يمنحون المكان طابعا حسيا مختلفا تماما عن كورنيش جدة الحديث.

أين تقيم لتكون على مسافة مشي من كل هذا

منطقة البلد نفسها لا تضم عددا كبيرا من الفنادق الكبرى — فأغلب مبانيها إما بيوت تراثية محمية أو محال تجارية صغيرة — لكن الأحياء المحيطة بها مباشرة توفر خيارات جيدة تصلك خلال دقائق معدودة بالسيارة أو حتى سيرا لمن لا يمانع مشيا أطول قليلا.

من يخطط لقضاء أكثر من يوم في استكشاف التراث يفضل عادة فندقا قريبا من البلد أو من كورنيش جدة نفسه، بحيث يجمع بين جولة تاريخية نهارا وأمسية على الواجهة البحرية دون تنقل طويل بين الاثنين.

قبل أن ترفع كاميرتك: احترام مكان ما زال أهله يسكنونه

من السهل أن تنسى وأنت تصور واجهة خشبية جميلة أن البلد حي سكني حقيقي، ليس متحفا مفتوحا.

من الأفضل استئذان السكان قبل تصويرهم عن قرب، وتجنب دخول المباني التي تحمل لافتات خاصة أو مغلقة.

والمشي في مجموعات صغيرة خلال المساء أقل إزعاجا لسكان المنطقة، وأكثر أمانا أيضا، من التجول في مجموعات كبيرة خلال ساعات الذروة المسائية.

ماذا تأكل وأنت تتجول؟

لا يكتمل التجول في البلد دون تجربة الأكل الشعبي الحجازي في مكانه الأصلي. تنتشر بين الأزقة عربات وبسطات صغيرة تبيع المطبق والفول والسمبوسة الطازجة، إلى جانب مقاه شعبية تقدم القهوة العربية والشاي بالنعناع لمن يريد الجلوس قليلا ومراقبة الحركة من حوله.

كثير من هذه الأماكن لا تحمل يافطات كبيرة أو حسابات على مواقع التواصل، وهذا تحديدا ما يجعلها مختلفة؛ فهي تخدم أهل الحي قبل أن تخدم السائح، وهو ما ينعكس في الأسعار المعقولة والنكهات الأصلية غير المعدلة لإرضاء الذائقة السياحية.

جولة مقترحة إن كان وقتك محدودا لبضع ساعات فقط

إن لم يكن لديك سوى أمسية واحدة، ابدأ من سوق العلوي عند غروب الشمس مباشرة، وامش باتجاه بيت نصيف لالتقاط الصور وأنت لا تزال الضوء الطبيعي متوفرا.

بعدها، اتجه نحو سوق الندى للتجول بين المحال وربما شراء تذكار بسيط، قبل أن تنهي جولتك بجلسة في أحد المقاهي الشعبية القريبة من المسجد الأبيض.

هذا المسار لا يستغرق أكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات سيرا على الأقدام، وهو كاف لتكوين انطباع حقيقي عن المكان دون إرهاق، خصوصا إن كانت هذه محطتك الأولى قبل التوجه لبقية برنامج رحلتك.

لماذا سمي بعض الأسواق بهذه الأسماء تحديدا

تحمل أسواق البلد أسماءها من تفاصيل تاريخية صغيرة يسهل أن تفوتك إن لم تسأل عنها. سوق الجامع مثلا سمي نسبة إلى جامع الشافعي القريب منه، وهو من أقدم المساجد في المدينة، بينما ارتبطت أسواق أخرى بمواقعها القريبة من أبواب السور القديم مثل باب مكة وباب شريف.

هذا التفصيل قد يبدو ثانويا، لكنه يفسر لماذا لا تجد في البلد شارعا مرقما بأرقام حديثة كبقية أحياء جدة؛ فالتسمية هنا وليدة القصص لا التخطيط العمراني.

لاحظ أيضا أن كثيرا من اللافتات والدلائل داخل البلد ما زالت مكتوبة بخط يدوي قديم أو بلوحات معدنية صدئة لم تستبدل منذ عقود، وهذا تحديدا جزء من سحر المكان لا عيبا فيه.

لا تتوقع تجربة مرتبة بمعايير المولات الحديثة؛ الفوضى المنظمة هنا هي الأصل، والزائر الذي يأتي بتوقعات واقعية يستمتع أكثر بكثير من الذي يقارن البلد بواجهة الكورنيش اللامعة.

في النهاية، البلد ليست محطة عابرة تضيفها لقائمة الصور. إنها الفرصة الوحيدة لفهم كيف بدأت جدة فعلا، قبل أن تتحول إلى المدينة الساحلية الحديثة التي يراها أغلب الزوار اليوم — وهذه وحدها تستحق أن تمنحها وقتا كافيا بدل زيارة سريعة من ساعة واحدة.

  • السعودية
  • جدة
  • المواقع الأثرية