علم النفس يكشف السر وراء التلاشي السريع للشعور بقيمة الراتب
يلاحظ الكثير من الأفراد تراجعا تدريجيا في مستويات السعادة والاهتمام بالمقتنيات والمكتسبات المهنية أو المادية الجديدة –مثل الترقيات الوظيفية، وزيادة الرواتب، أو شراء العقارات والسيارات الفارهة– وذلك بعد انقضاء أشهر قليلة على تحقيقها.
وبين تقرير نشره موقع "بولدي" المتخصص، نقلا عن أبحاث في علم النفس، أن هذا التبدل المشاعري لا يمثل قصورا شخصيا أو نكرانا للجميل، بل هو نتاج آلية عصبية ونفسية تلقائية تعرف علميا بمصطلح "التكيف اللذيذ".
مفهوم التكيف اللذيذ وآلية عمل العقل البشري
تتمحور فكرة "التكيف اللذيذ" حول ركيزة أساسية مفادها أن العقل البشري يتعامل مع أي تغيير إيجابي يطرأ على حياة الفرد بوصفه حدثا مذهلا واستثنائيا لفترة وجيزة فقط، ثم يشرع تدريجيا في تصنيفه وإدراجه ضمن النطاق اليومي المعتاد، وبمجرد أتمتة هذا الشيء الجديد وتحوله إلى جزء من الروتين الثابت، يتوقف الدماغ عن إفراز مستويات الشغف العالية تجاهه، مما يفقد الإنجاز بريقه الأولي.
ويشير خبراء علم النفس إلى أن الدماغ البشري مهيأ بيولوجيا للتفاعل والاستجابة مع التغييرات اللحظية والمفاجئة وليس مع الحالات الثابتة والمستقرة؛ ولذلك يبرز المقتنى أو المتغير الجديد بوضوح في البداية لاختلافه عن المألوف، ثم يتلاشى هذا التأثير تدريجيا مع مرور الوقت وبفعل الاستمرارية والاعتياد.
مفارقة اليانصيب والشلل.. تجربة علمية تثبت النمط النفسي
وفي سياق دراسة هذا السلوك الإنساني، تتبع باحثون حالتين يفترض أنهما على طرفي نقيض في مقاييس السعادة والتعاسة الافتراضية؛ وشملت المجموعة الأولى أشخاصا فازوا مؤخرا بجوائز مالية طائلة في "اليانصيب"، في حين ضمت المجموعة الثانية أفرادا أصيبوا بشلل كامل جراء حوادث مأساوية. وكان من البديهي افتراض بقاء الفائزين في قمة النشوة، واستمرار فئة المصابين في حالة إحباط شديد.
وأظهرت النتائج البحثية، بعد مرور عام تقريبا على الحادثتين، أن الفائزين باليانصيب لم يكونوا أكثر سعادة بفارق ملحوظ عن الأشخاص العاديين المحيطين بهم، بينما استعاد المصابون بالحوادث جزءا كبيرا ورئيسيا من مستويات سعادتهم السابقة.
وأثبتت الدراسة أن كلا الفريقين عاد تقريبا إلى "نقطة الاستقرار الفطرية" الخاصة به، بغض النظر عما واجهه من ظروف حادة في السراء أو الضراء.
عملية إعادة الضبط التلقائي وعلاقتها بالشخصية
ووفقا للمعطيات العلمية، فإن غياب السعادة المستدامة بعد تحقيق الأهداف يدفع الكثير من الناس إلى إساءة تفسير هذا النمط السلوكي في أنفسهم، وعزوه إلى عيوب في شخصياتهم مثل الجشع، أو الطمع، أو عدم القدرة على القناعة. غير أن الأبحاث تؤكد أن هذه العملية ما هي إلا "إعادة ضبط تلقائية" لاإرادية تجري في عقل كل إنسان، بغض النظر عن مدى اتزانه، أو امتنانه، أو قدرته على التقدير.
وتتجلى فاعلية هذه الآلية في تحويل المكتسبات الكبيرة إلى واقع اعتيادي؛ فزيادة الراتب تتحول بمرور الوقت إلى الأجر المعتاد الذي يقيس به الشخص خطوته وزيادته المقبلة، والمطبخ المجدد يصبح مجرد مساحة تقليدية لإعداد القهوة اليومية دون التفات مستمر لتفاصيله الهندسية، وهو ما يبرهن على أن الشغف بالجديد يتلاشى حتما بمجرد زوال صفة الحداثة عنه.
نظام حماية ذو وجهين.. الرضا والتعافي النفسي
وتوضح القراءة النفسية أن الآلية النفسية التي تخمد بهجة الأمور الإيجابية هي ذاتها التي تمكن الإنسان من تخطي الأزمات، والصدمات، وفقدان الأعزاء، والنكسات الحياتية الكبرى التي قد يظن المرء في أوانها أنها نهاية المطاف.
ويعمل هذا النظام البيولوجي الموحد بوظيفة محددة وهي إعادة الفرد إلى حالة الاستقرار الحسي؛ حيث يظهر في السراء على شكل فتور وتراجع في النشوة، بينما يظهر في الضراء كعملية تعاف نفسي ومقاومة لتبعات الصدمة.
وفي الخلاصات، تشير الدراسات إلى أن الأفراد الأكثر استقرارا ورضا من الناحية النفسية هم الذين يدركون طبيعة هذا النمط المتكرر، ويتوقفون عن انتظار المقتنى القادم أو الترقية التالية لتغيير حيواتهم بشكل دائم. وينعكس هذا الفهم على تحقيق حالة من الهدوء الفطري عبر استيعاب أن المكتسبات المادية والمهنية الجديدة تمثل تطورات مرحلية، وليست حلولا مطلقة للحفاظ على المزاج البشري في قمة سعادته إلى الأبد.
