الناقل الوطني
"الناقل الوطني": خطة استراتيجية أردنية بـ 4.3 مليارات دولار لإنهاء عجز المياه
تستعد الحكومة الأردنية لإطلاق المراحل التنفيذية لمشروع "الناقل الوطني"، الذي يعد أضخم مشروع بنية تحتية لتحلية ونقل المياه في تاريخ المملكة.
ويستهدف المشروع تحلية مياه بحر العقبة ونقلها إلى العاصمة عمان وبقية المحافظات، ليشكل حلا جذريا لمواجهة الشح المائي الكبير الذي تعيشه البلاد، وسد جزء رئيسي من العجز المائي السنوي المقدر بـ 450 مليون متر مكعب حتى عام 2040.
وأكد وزير المياه والري الأردني، رائد أبو السعود، أن هذا المشروع هو الأكبر من نوعه عبر تاريخ المملكة الهاشمية، لافتا إلى أنه سيمكن الدولة من الاكتفاء المائي بنسبة جيدة بما يضمن تحقيق تنمية اقتصادية شاملة، ورفع القيود المائية عن النشاطات الاستثمارية، والسياحية، والزراعية، مع توفير فرص عمل جديدة تدعم نمو وتنافسية الاقتصاد الوطني.
ويتم تنفيذ مشروع الناقل الوطني وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص عبر آلية البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)؛ حيث يتولى المطور تنفيذ المشروع وتشغيله وفق أعلى المعايير العالمية لمدة امتياز تبلغ 26 عاما، على أن تنتقل إدارة المشروع وملكيته بالكامل إلى الدولة الأردنية بعد انتهاء هذه الفترة.
وتبلغ الكلفة الرأسمالية الإجمالية للمشروع حاليا 4.3 مليارات دولار أمريكي، وتتوزع هيكليته التمويلية لتشمل مساهمة 29 مؤسسة تمويلية دولية بقيمة 660 مليون دولار، ومبلغ 722 مليون دولار كدعم حكومي مباشر من الخزينة الأردنية، إضافة إلى تمويل من البنوك المحلية بقيمة 1.1 مليار دولار، بجانب مساهمة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي بنسبة 15%.
ومن المقرر أن يبدأ التنفيذ الميداني للمشروع خلال صيف العام الحالي 2026، على أن يبدأ ضخ المياه الفعلي بحلول نهاية عام 2030، حيث سيتم توزيع الحصص المائية بين المحافظات لتحقيق التوازن في التزويد المائي.
وسيؤمن المشروع 300 مليون متر مكعب سنويا من مياه البحر الأحمر، وهي كمية تعادل ثلاثة أضعاف ما يوفره مشروع "جر مياه الديسي" الحالي، كما تعادل سعة التخزين الكلية للسدود الرئيسية في المملكة، مما يغطي نحو 40% من احتياجات مياه الشرب في البلاد.
وسيسهم ذلك في رفع حصة الفرد السنوية من المياه من 60 مترا مكعبا إلى 110 أمتار مكعبة، ليرتفع بذلك معدل وصول المياه للمنازل ليصبح 3 أيام في الأسبوع بدلا من يوم واحد.
ويصنف الناقل الوطني كأحد أكبر مشاريع التحلية عالميا، ويواجه جملة من التحديات الهندسية والبيئية المدروسة؛ وتتمثل أبرز المواصفات الفنية في نقل المياه عبر أنبوب ضخم يبلغ قطره 2.2 متر ويمتد لمسافة 450 كيلومترا نحو محطات التوزيع الرئيسية، مع تحدي رفع وضخ المياه من مستوى سطح البحر إلى ارتفاعات طبوغرافية تتجاوز 1100 متر فوق سطح البحر.
وبالإضافة إلى ذلك، يلتزم المشروع بتحقيق أعلى الشروط البيئية لحماية الحياة البحرية في خليج العقبة، مع الاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 30%، وبطاقة تقارب 300 غيغاواط سنويا.
ولا تقتصر منافع المشروع على توفير مياه الشرب النقية، بل سيتيح أيضا إراحة الأحواض المائية الجوفية التي تعرضت للاستنزاف والضخ الجائر نتيجة التغيرات المناخية، مما يساعدها على التعافي الطبيعي للأجيال القادمة.
كما سيوفر المشروع نحو 200 مليون متر مكعب من المياه المعالجة بعد استخدامها من المواطنين، ليتم توجيهها رسميا لرفد الممارسات الزراعية والصناعية. وتتزامن هذه الخطوة مع مشاريع حصاد مائي حكومية مبتكرة تشمل إنشاء سدود تحت الأرض، وتنفيذ 10 آلاف بئر تجميعية لمياه الأمطار، تتركز غالبيتها في محافظات الجنوب.
وتأتي تلك التطورات في وقت يواجه فيه قطاع المياه في الأردن تحديات مالية متراكمة؛ حيث بلغت مديونيته نحو 4 مليارات دينار أردني، وهو ما يعادل 12% من إجمال الدين العام للبلاد.
وللتعامل مع هذا العجز، أقرت الوزارة حزمة من الإجراءات التصحيحية لإصلاح القطاع، تمثلت أولاها في خفض كلفة الإنتاج؛ إذ أثمرت المفاوضات الحكومية التي استمرت 16 شهرا عن خفض كلفة المتر المكعب للمشروع من 3 دولارات إلى 2.7 دولار، كما نجح القطاع في خفض الفاقد المائي بمعدل 10% ليستقر عند مستوى 42.3%.
وتقترن هذه التحركات بخطة هيكلية بدأت قبل عامين لإصلاح تعرفة المياه وتستمر حتى عام 2029، مع التأكيد الحكومي على حماية الشرائح الأقل استهلاكا للمياه، رغم وجود زيادات تدريجية مستقبلية تربط قيمة الفاتورة بحجم الاستهلاك الفعلي للمواطنين وتكاليف الطاقة التشغيلية المطلوبة للقطاع.
