الفتى زيد الدماسي
"كنت أترحم عليه وطلع ابني".. عبارة أب تدمي القلوب وتشعل منصات التواصل حزنا على الفتى زيد
- لمزيد من تفاصيل عزاء الفقيد الفتى زيد الدماسي اضغط هنا، ولمتابعة تطبيق وفيات رؤيا بالنقر على الرابط.
لم تكن الساعة السادسة من صباح يوم الثلاثاء مجرد موعد لصافرة مباراة في كرة القدم، بل كانت ميعادا التقى فيه شغف فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره مع غياب أبدي لم يكن في الحسبان. غادر زيد الدماسي بيته ممتلئا بضحكات العمر وبريق الصبا، يحمل في صدره الصغير حبا بريئا لبلاده ولمنتخبها الوطني، مرتديا قميص الأحلام التي تليق بعمره.
وقبل أن يمضي نحو الساحة الهاشمية والمدرج الروماني، طاف على أصحابه واحدا تلو الآخر؛ احتضنهم بحرارة لافتة، وقبلهم كمن يستأذن الرحيل، وألح على أحدهم أن يرافقه ليكون شاهدا على الهتاف، لكن الأقدار كتبت أن يذهب وحيدا، ويترك خلفه دفء ذلك العناق الأخير متبوعا بوجع لا ينتهي.
ومع اقتراب ساعات الفجر الأولى، تحولت الساحة الهاشمية إلى أمواج بشرية من مشجعي "النشامى" الذين تدفقوا بالآلاف. وفي غمرة الحماس والهتاف وقبل انطلاق اللقاء، تحول الشغف فجأة إلى زحام خانق، لتقع حادثة تدافع سحقت تحت وطأتها أجسادا بريئة. وكان زيد في صلب ذلك التنفس المقطوع، حيث انطفأت أنفاسه وسط هذا الزحام، وهو ما وثقه تصريح الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام الذي أعلن عن حالة وفاة "زيد" وإسعاف تسعة أشخاص إلى المستشفى إثر إصابتهم خلال تدافع رهيب للجمهور داخل الساحة.
وبعد الإعلان عن الوفاة، بدأت فصول قصة أخرى من الغموض المؤلم؛ إذ بقي زيد مسجى في مركز الوطني للطب الشرعي لساعات طويلة كـ "جثة مجهولة الهوية". لم يكن الفتى يحمل محفظة أو أوراقا ثبوتية تكشف عن اسمه، ما دفع مدير المركز، الدكتور همام قطاونة، لإطلاق نداء عاجل عبر وسائل الإعلام بعد مرور ثماني ساعات على الحادثة، داعيا أي عائلة فقدت الاتصال بابنها الذي ذهب للمباراة بمراجعة الأمن.
وأدلى قطاونة بأوصاف الفتى الظاهرية لتسهيل الاستعراف عليه، مشيرا إلى أن المعاينة الأولية ترجح أن تكون الوفاة ناتجة عن "الاختناق الإصابي الدهسي بالأقدام" جراء التدافع، مؤكدا أن تحديد السبب النهائي ينتظر التعرف الرسمي على الهوية بحضور المدعي العام المختص.
مشهد الجماهير الأردنية كان أكبر من وصف، كان هذا التدافع المخيف حديث الناس وصدمتهم الأولى، تناهى الخبر إلى مسامع والده، يوسف سعيد الدماسي، فجلس مع صديقه يعلقان على المأساة التي جرت في الفجر؛ طوال النهار كان الأب يترحم على ذلك الشاب المجهول الذي قضى تحت الأقدام في زحام الشغف، ويدعو لوالديه بالصبر والسلوان على هذا الفقدان الكاسر.
مرت الساعات ثقيلة، ترحموا عليه مرارا، وبكوا شبابه الضائع، حتى دقت الساعة السادسة مساء؛ فجاءت الصاعقة التي هدمت أركان البيت حين نطق باسم الضحية: "زيد يوسف الدماسي". انهار الأب في مشهد يمزق نياط القلوب، واختصر وجع الفقد كله في عبارة واحدة تخنقها العبرات: "كنا بنترحم عليه م الصبح، وما بنعرفش إنه ابننا.. طلع بالآخر ابني".
منصات التواصل تتشح بالسواد تضامنا مع عائلة الدماسي
خلف رحيل زيد المفاجئ موجة حزن عارمة تجاوزت حدود العاصمة، لتتحول الحادثة الإنسانية إلى قضية تفاعل معها المجتمع الأردني بأسره:
وبادر صاحب السمو الملكي الأمير علي بن الحسين، رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم، بنعي المشجع الصغير عبر حسابه الرسمي، ناشرا صورته بالأبيض والأسود وهو يجلس مبتسما على مدرجات ذات المكان الذي شهد فاجعته، لتقديم عزائه الحار للعائلة المفجوعة باسم الأسرة الرياضية الأردنية.
وتحول حساب الاتحاد الأردني لكرة القدم ونجوم المنتخب الوطني إلى سرادق عزاء؛ حيث تسابق لاعبو المنتخب الذين ذهب زيد ليهتف لهم، ونعوه بكلمات مؤثرة، ومنهم النجم يزن النعيمات، والمدافع عبد الله نصيب (ديارا)، واللاعب محمد أبو طه، واللاعب محمد أبو زريق (شرارة)، معبرين عن أسفهم العميق لأن الفتى الذي كان ينتظر فرحة الانتصار عاد إلى منزله محمولا على الأكتاف.
وتناقل رواد منصات التواصل الاجتماعي شهادة رفاق زيد بكثير من الشجن، مستذكرين تفاصيل ساعاته الأخيرة، وكيف تحول حماسه لتشجيع "النشامى" إلى مأتم وطني، وسط مطالبات شعبية واسعة بضرورة مراجعة إجراءات السلامة والتنظيم في التجمعات الجماهيرية الكبرى لضمان ألا تسرق الملاعب أرواحا بريئة أخرى.
