مرحبا بك في موقع رؤيا الإخباري لتطلع على آخر الأحداث والمستجدات في الأردن والعالم

أطفال يقفون طوابير على تكية طعام في غزة

1
أطفال يقفون طوابير على تكية طعام في غزة

بين فكي الجوع والبارود.. كيف تحولت مأساة غزة المنسية إلى خلفية اعتيادية لشاشات العالم؟

نشر :  
منذ ساعتين|

لم يعد صخب الطائرات المسيرة يحرك ساكنا في قلوب من تبقوا على قيد الحياة في قطاع غزة، فقد ألفت العيون الغائرة منظر السماء وهي تقذف الموت كل حين، لكن شيئا آخر بات يبث الرعب في النفوس؛ تلك القرقرة الجافة التي تصدر من الأمعاء الخاوية، ودموع الأمهات العاجزات وهن يفتشن بين ركام المطابخ المتفحمة عن كسرة خبز يابسة، أو حفنة من أعلاف الحيوانات لعلها تسد رمق الصغار.

في غزة اليوم، وتحديدا في شمالها المحاصر، لم تعد الحكاية مجرد حرب طاحنة وأرقام للشهداء تتصاعد في أشرطة الأخبار العاجلة، بل أصبحت حكاية صمت عالمي مطبق، ومجاعة تنهش الأجساد الغضة ببطء وقسوة، أمام مرأى ومسمع عالم بليد، غسل يديه من دماء الضحايا وتناسى أن هناك شعبا يباد بالجوع والبارود معا.

الـمفاوضات تستمر.. والجوع لا ينتظر

بينما تنشغل الشاشات الدولية بتحليل كواليس المفاوضات، والمسارات الدبلوماسية، والوساطات التي تولد وتموت على الطاولات السياسية، تنضج في الأزقة الـمهدمة للمخيمات فصول كارثة إنسانية مرعبة، المجاعة في غزة ليست مجرد نقص في التموين، بل هي سياط تسحق عظام الأطفال وتتركهم هياكل بشرية بلا ملامح، المخابز معطلة، والأسواق خاوية تماما من أي مواد غذائية أساسية؛ فلا طحين، ولا خضار، ولا حليب للأطفال، بل مجرد يباب ممتد وغلاء فاحش يحيل حتى السلع البسيطة إلى حلم بعيد المنال.

لقد نسي العالم هذه البقعة تماما، وبات المحصورون فيها يشعرون أنهم خارج حسابات البشرية، الاحتلال يمنع دخول شاحنات المساعدات، والأطفال يموتون مرتين؛ مرة عندما تقصف الطائرات المنازل، ومرة أخرى عندما يذبلون أمام أعين ذويهم من الجوع دون قدرة على إطعامهم، بينما تتحدث السياسة عن الهدنة وينهش الجوع الأمعاء في كل ثانية.

ثنائية الـموت: القذيفة والأمعاء الخاوية

تحت وطأة هذا الحصار الخانق، لم تتوقف آلة الحرب للحظة واحدة؛ فالغارات الجوية مستمرة، وعمليات الاغتيال والقصف المدفعي تطال مراكز النزوح والمستشفيات الـمتهالكة التي باتت عاجزة حتى عن تقديم شربة ماء نظيفة للمرضى والجرحى. يتداخل صوت الانفجارات مع صرخات الأمهات الثكالى، ليرسم لوحة سريالية لقطاع يصارع الفناء بمفرده.

الأطباء الـمحاصرون في ما تبقى من الـمشافي يطلقون صيحات استغاثة متكررة، مؤكدين أن أسرة المستشفيات لم تعد تمتلئ بضحايا الشظايا والصواريخ فحسب، بل باتت تكتظ بأطفال رضع يعانون من الجفاف الحاد وسوء التغذية الـمفرط، حيث تسجل الطواقم الطبية يوميا وفيات جديدة في صفوف الأجنة والأطفال وكبار السن نتيجة انعدام الغذاء والدواء.


صرخة في وادي النسيان

لقد تحولت غزة، في ظل انشغال العالم بـملفات إقليمية ودولية أخرى، إلى منسية في وادي الذهول. طويت صفحتها في أجندات الكثيرين، وتحولت مأساتها الدامية إلى مجرد خلفية اعتيادية في المشهد العالمي. لكن في الأزقة الضيقة بين الركام، لا يزال الموت طازجا، ولا يزال الجوع حادا كالشفرة.

إنها صرخة كرامة أخيرة يطلقها من تبقى على قيد الحياة؛ صرخة بوجه عالم يدعي الإنسانية، بينما يترك أكثر من مليوني إنسان يعضون على جوعهم، محاصرين بين طائرات تقصف بلا رحمة، ومجاعة تقضم أجسادهم في عتمة النسيان.

  • المجاعة
  • شهداء غزة
  • الحرب على غزة
  • القصف على غزة