الرئيس الأمريكي دونالد ترمب
وقف إطلاق النار عند ترمب: لماذا يجد الغرب دماء الشرق الأوسط مضحكة
- إن الذي دوى في تلك الغرفة لم يكن مجرد ضحكات عابرة على أسلوب ترمب الساخر
تكشف الطريقة التي تتناول بها المؤسسات السياسية الغربية ومراقبوها موت السكان في العالم العربي والشرق الأوسط عن تيار خفي من عنصرية عميقة الجذور، تتخفى غالبا تحت ستار "الفكاهة السوداء"، أو "الواقعية القدرية"، أو المزاح السياسي العابر.
وتجلت هذه الظاهرة بوضوح داخل المكتب البيضاوي في 3 حزيران/يونيو، عندما سأل أحد الصحفيين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تعريف "وقف إطلاق النار الهش" في ظل الأعمال العدائية المستمرة مع إيران.
حينها، تجاهل ترمب آليات القانون الدولي والدبلوماسية، مقدما تعريفه الخاص بابتسامة ساخرة: "في ذلك الجزء من العالم، وقف إطلاق النار هو عندما تطلق النار بطريقة أكثر اعتدالا."
هذه العبارة لم تمر كسقطة لفظية، بل أثارت ضحك كبار المسؤولين الحاضرين خلفه، وتلقفها مستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقات تعكس تقبلا مريضا للواقع، حيث كتب أحدهم: "هاها، لم أسمع توصيفا أكثر دقة من هذا"، وأضاف آخر: "هو ليس مخطئا، الشرق الأوسط مختلف فقط".
إن ترجمة ما قيل فعليا، وما ضحك عليه الحاضرون، تختصر حقيقة صادمة: إن القتل المستمر المدار لشعوب الشرق الأوسط هو أمر طبيعي في نظرهم، وجزء من النظام البيئي للمنطقة.
هندسة نزع الإنسانية وتزوير التاريخ
لفهم سبب كون هذه العبارة مضحكة للجمهور الغربي، يجب تفكيك الافتراض الأساسي في السياسة الخارجية الاستشراقية، والذي يقوم على الاعتقاد بأن الشرق الأوسط منطقة طبيعتها الوحشية والولع بالعنف، وأن شعوبها "تحب الحرب" أو "تقدر الحياة بشكل أقل".
ويعد هذا المفهوم قلبا لافتا للحقائق التارخية؛ فالحالة الدائمة من الصراع، والحدود المصطنعة، والانقسامات ليست سمات جينية مكتوبة في الحمض النووي للشرق الأوسط، بل هي نتائج مباشرة ومقصودة لعقود من التدخلات العسكرية الغربية، والخرائط الاستعمارية، وحروب الوكالة، واستخراج الموارد لصالح الشركات الكبرى. لقد فرضت الحرب على هذه المنطقة بسبب نفطها، وممراتها المائية، وموقعها الاستراتيجي.
ورغم وجود نقاش داخلي مرير حول الفساد، والضعف البنيوي الذي يسمح للقوى الأجنبية بإعادة تحويل المدن العربية مرارا إلى ساحات لاختبار الأسلحة، فإن كون الشعوب عرضة للاستغلال لا يعني أبدا أنها أقل إنسانية.
القيمة الانتقائية لحياة طفل
ولقياس عمق هذه العنصرية العفوية، يكفي تطبيق هذا السيناريو على أي سياق غربي:
مثال مفروض: إذا ابتسم سياسي بعد حادثة إطلاق نار جماعية كارثية في مدرسة ابتدائية أمريكية، وقال إن سلامة السلاح في أمريكا تعني فقط "إطلاق النار على الأطفال بطريقة أكثر اعتدالا"، هل كان الجمهور سيرد بالضحك أو التأييد؟
بالتأكيد، كان ذلك سيثير غضبا عارما ينهي مسيرته السياسية فورا، وستخصص التغطيات الإعلامية للحديث عن قدسية الحياة البشرية وصدمات الناجين.
"العنف المعتدل" ما زال عنفا
عندما يعمد الغرب إلى تعريف السلام في الشرق الأوسط بأنه مجرد "صراع منخفض الشدة"، فإنه يمنح نفسه إذنا بعدم السعي إلى سلام حقيقي بنيوي.
هذا المنطق يكرس فكرة أن أطفال العرب لا يستحقون مستقبلا خاليا من الصدمات، بل يكفيهم فقط أن تسقط عليهم الصواريخ بوتيرة "معتدلة" وأكثر قبولا.
لا يوجد شيء مضحك في وقف إطلاق نار يبقي على دوي المدفعية في الخلفية، وليس من الدقة في شيء افتراض أن شعوبا بكاملها تفضل صوت صفارات الإنذار على السكينة.
إن الذي دوى في تلك الغرفة لم يكن مجرد ضحكات عابرة على أسلوب ترمب الساخر، بل كان صوت إمبراطورية تذكر العالم – مرة أخرى – بمن تهم حياتهم وتعتبر وفاتهم مأساة، ومن لا تزيد حياتهم عن كونها نكتة سياسية مبتذلة.
