سبائك ذهبية
دراسة تحليلية: متى يتحول الذهب من ملاذ آمن إلى فخ للمستثمرين في أسواق المال؟
- وللاطلاع على أسعار الذهب أولا بأول اضغط هنا لزيارة موقع رؤيا أسعار الذهب.
تتمثل المشكلة الأساسية لأغلب المتعاملين في أسواق المال، وفي قطاع الذهب على وجه الخصوص، في أنهم ينظرون إلى السعر اللحظي بعيدا عن الجوهر الحقيقي للأصول، وهذا الأمر ينطبق على المعدن الأصفر أكثر من أي أصل استثماري آخر؛ إذ إن سعر الأونصة الشاشاتي لا يكشف الحقيقة كاملة، بل هو مجرد انعكاس لآخر رأي جماعي يدور حول مشاعر الخوف، والثقة، وتولد التضخم، وحركة الدولار الأمريكي، وبالاختصار المفيد، فإن السعر هو نتيجة للمشاعر والسياسات السائدة لا أكثر.
بناء على ذلك، فإن من ينظر إلى الرقم وحده لا يقرأ كتاب الذهب، بل يكتفي بقراءة السطر الأخير فقط، بينما من ينظر إلى المسببات بتمعن هو من يملك قدرة توقع الاتجاه القادم.
ولا يمكن نكران أن النظر للسعر السائد والتعبير عن الرأي السطحي هو أسهل كثيرا من الغوص في تفاصيل الأسباب العميقة؛ لأنه بمجرد النظر إلى رقم الشاشة تستطيع أن تعكس مشاعرك الخاصة حول ما تريد، لكن عندما تنظر إلى السبب الجذري فأنت تقف أمام قانون فلكي ثابت غير قابل للجدل، وقد لا ترغب في تصديقه سياسيا أو ماليا، ولهذا السبب تماما، نرى آلاف الآراء المتضاربة حول السوق؛ لأن هذه الجموع تنظر للمعلول لا للعلة، وهذا هو أسوأ ما يمكن أن تقابله في الاستثمار لأنك بذلك تنصب فخا لنفسك في الذهب لا ملاذا آمنا.
التاريخ لا يكذب: دروس حرب فيتنام وفاتورة الحروب المؤجلة
إذا عدنا إلى التاريخ القريب، ففي عام 1955 بدأ الخلاف السياسي بين فيتنام والولايات المتحدة الأمركية، واستمر هذا التوتر يتأرجح بين تصعيد تارة ومساعي سلام تارة أخرى لما يقرب من عشر سنوات، انتهت بتدخل عسكري مباشر لواشنطن عام 1965، لتختتم الحرب أوزارها بخسارة مدوية للولايات المتحدة وانسحابها الكامل عام 1975.
والمثير للانتباه هنا، هو أن الإدارة الأمركية أعلنت حينها أنها فازت بالحرب، لكنه لا يمكن قطعا الكذب على الذهب؛ إذ بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها، انفجر سعر المعدن النفيس مرتفعا من 35 دولارا للأونصة الواحدة إلى 195 دولارا في غضون ثلاث سنوات فقط محققا ثلاثة أضعاف، وفي غضون السنوات الأربع التالية، وتحديدا في عام 1980، قفز الذهب ليسجل لأول مرة مستوى 875 دولارا.
من هذا المنعطف التاريخي النافذ، أدركنا يقينا أن فاتورة الحروب لا تدفع في ظل اشتعال المعارك ميدانيا، وإنما تسدد نقدا بعد انتهاء الحرب، وكلما كابرت الدول العظمى أكثر، كلما كان الثمن الاقتصادي الذي تدفعه لاحقا أكبر، وخصوصا عندما تعجز عن الكذب على حقائق الذهب بأن الأمور الهيكلية بخير.
التصعيد مع إيران: تهدئة تحت الضغط وعناد المفاوض الفارسي
وبالانتقال إلى الواقع السياسي الراهن، لم تصل الولايات المتحدة الأمريكية حتى هذه اللحظة إلى اتفاق نهائي مع جمهورية إيران حول السلام، وذلك لأن الملفات التي يتم التفاوض عليها بين الجانبين هي أكبر بكثير من أن يتم حسمها في غضون أشهر قليلة أو سنة واحدة.
ورغم صدور مذكرة سلام رسمية من البيت الأبيض في نهاية عطلة الأسبوع، إلا أنه لم تبدر من طهران إلى هذه اللحظة أي ردة فعل إيجابية؛ ويعود السبب في ذلك إلى أن الرئيس أميركي دونالد ترامب يمد يد التفاوض السياسي، لكن يده الأخرى ما زالت قابضة على الزناد ميدانيا.
فالإدارة الأمريكية ما إن أرسلت المذكرة، حتى خرج ترامب ليصرح بأنه ما لم توافق إيران على الشروط، فهو مستعد لشن حرب أعنف هذه المرة، وهذا المسار لا يمثل تهدئة كاملة بل هو تهدئة مشروطة تحت الضغط العسكري.
ورغم أن الفرس مفاوضون بارعون للغاية ولديهم الاستعداد التام للمحاورة على كل شيء، إلا أن التاريخ الموثق أثبت أنهم لا يحبون المفاوضات القائمة على التهديد والوعيد، حيث يتميزون بعناد سياسي دبلوماسي صارم يمنعهم من الرضوخ.
52 مليون وظيفة في مهب الرياح بسبب مضيق هرمز
ولم تعد الحرب الراهنة تضرب إمدادات النفط العالمية فقط، بل باتت شراراتها تطال هيكل الاقتصاد الكلي كاملا؛ إذ كشف تقرير حديث صادر عن منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة أن الاقتصاد العالمي مهدد بخسارة ما يعدل 14 مليون وظيفة بدوام كامل خلال عام 2026، ونحو 43 مليون وظيفة أخرى بحلول عام 2027.
ويترافق هذا الانهيار العمالي مع تراجع الدخل الحقيقي للعمل نتيجة لتداعيات حرب إيران، وارتفاع كلفة الطاقة، واضطراب خطوط النقل وسلاسل التوريد الدولية، ناهيك عن تراجع قطاع السياحة والقيود المفروضة على العمالة المهاجرة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.
وفي خضم هذه الأزمات، ينتظر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هذا الأسبوع صدور أرقام التضخم والناتج المحلي الإجمالي، ليعلق على أساسها رأيه النهائي بشأن مصير أسعار الفائدة على الدولار.
