نهر في الصين
"نهر هوتان في الصين.. حكاية 'هوس اليشم' الذي نافس الذهب وتسبب في إغلاق المناجم
تشكل منطقة "شينجيانغ" العرقية ذاتية الحكم في أقصى غرب جمهورية الصين الشعبية، بفضل مظهرها الثقافي الفريد الذي تجتمع فيه المساجد والكتابة العربية للغة الأويغورية مع الحروف الصينية، مركزا استراتيجيا وتاريخيا بارزا؛ حيث تمتد هذه الكتلة الجغرافية الشاسعة على مساحة تتجاوز المساحة الإجمالية لدول فرنسا وألمانيا وإسبانيا مجتمعة، ويغطي أكثر من خمسها مجرى صحراء "تكلامكان"، أقسى المناطق القاحلة في البلاد.
وبحسب التقارير الجيولوجية والتاريخية، يتدفق نهرا "اليشم الأبيض" و"اليشم الأسود" وسط هذه الطبيعة البيئية ليلتقيا ويشكلا نهر "هوتان" الشهير، والذي استمد اسمه من الأحجار الكريمة النادرة الموجودة في قاعه.
ويحظى "اليشم" (Jade) بمكانة رمزية وثقافية عميقة لدى قومية "الهان" الصينية، إذ يرتبط بالنبل والفضيلة وقدرته العقائدية على طرد الأرواح الشريرة وجلب السلام، وهو ما دفع بحجم سوقه المحلي داخل الصين ليصل حاليا إلى نحو ثلاثين مليار دولار أمريكي.
وعلى الرغم من أن سكان المنطقة من الأويغور الأصليين لا يقدرون أهمية هذه الأحجار داخل محيطهم الثقافي، إلا أن نهر "هوتان" تحول قبل أربعين عاما إلى ساحة لما يوصف بـ"هوس اليشم" عقب توافد التجار من شرق الصين، مما أدى إلى قفزة هائلة في أسعاره لتتجاوز في بعض الأحيان قيمة المعدن الأصفر (الذهب) بالوزن؛ حيث يقوم المنقبون المحليون بالبحث في المجاري المائية، وقد يصل سعر الأحجار النادرة إلى مليون يوان صيني، وهو مبلغ مالي كفيل بأن يدفع من يعثر عليه لترك وظيفته والتوجه لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة.
ونتيجة لعمليات التعدين الجائرة التي استخدمت فيها الآلات الثقيلة لحفر سفوح الجبال، تعرضت الموارد الطبيعية للاستنفاد الحاد، مما دفع سلطات إقليم شينجيانغ في عام 2007م إلى إلغاء كافة تراخيص التعدين التجاري على طول نهر هوتان لحماية الملف البيئي.
وأكد مسؤولون محليون عدم السماح باستئناف النشاط إلا بعد تعافي المنطقة نهائيا وتحت رقابة قانونية صارمة، لا سيما وسط تحذيرات من خبراء الجيولوجيا، مثل الأستاذ "وانغ شي تشي" من جامعة بكين، الذي شدد على أن اليشم النفيس مورد ثقافي غير متجدد وأن الاستغلال المستمر له بلا حدود سيلحق أقرارا لا يمكن إصلاحها بالموروث التاريخي للبلاد.
