مرحبا بك في موقع رؤيا الإخباري لتطلع على آخر الأحداث والمستجدات في الأردن والعالم

محطة محروقات

1
محطة محروقات

بالأرقام.. كيف أمنت فاتورة الـ 68 مليون دينار أسواق الأردن من تسونامي أسعار هرمز؟

نشر :  
منذ ساعة|
|
اسم المحرر :  
قيس المناصير

منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 اليوم الذي تحولت فيه المواجهة الإقليمية إلى حرب مفتوحة تبعها إغلاق مضيق هرمز، لم تعد أسعار المحروقات مجرد أرقام تعدل شهريا، بل تحولت إلى مؤشر حيوي يكشف عمق الأزمات الجيوسياسية الشاملة التي تعصف بالمنطقة والعالم.

وفي خضم هذه القفزات غير المسبوقة في أسواق الطاقة العالمية، يبرز المشهد الأردني كحالة استثنائية في إدارة الأزمة؛ حيث تحركت الحكومة بشكل استباقي لامتصاص الصدمة وحماية المستهلك المحلي من تداعيات الانفجار السعري، متحملة الفارق الأكبر من التكلفة الحقيقية للمواد النفطية.

الارتداد العالمي: من الاستقرار إلى عتبة الـ 120 دولارا

قبل اندلاع الحرب في فبراير الماضي، كانت أسواق النفط تسير في قنوات مستقرة نسبيا، حيث دار سعر برميل خام برنت حول مستويات 70 إلى 72 دولارا أمريكيا.

غير أن اندلاع الشرارة العسكرية وإغلاق مضيق هرمز ــ الذي يشكل الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية ــ أحدث صدمة فورية في البورصات؛ فقفزت الأسعار ملامسة حاجز 80 دولارا في الأيام الأولى، قبل أن تبلغ ذروتها في شهر أبريل وأوائل مايو الحالي لتتراوح ما بين 115 و120 دولارا للبرميل، وبنسبة زيادة إجمالية قياسية تجاوزت 65%.

هذا الارتفاع الحاد والمتسارع، المصحوب بقفزات جنونية في كلف الشحن والتأمين البحري ضد مخاطر الحروب، ترجم بشكل فوري ومتباين في محطات الوقود حول العالم. وتفاعلت الدول مع هذه المأساة بطرق مختلفة بحسب فلسفة الدعم المالي، والوضع الاقتصادي النقدي لكل حكومة.


مشهد المقارنة الموسع: كيف تفاعلت الدول مع الصدمة السعرية؟

أظهر تقرير موقع "Global Petrol Prices" لشهر مايو 2026 م تباينا صارخا بين آليات التسعير وقدرة الدول على المواجهة.

وتتصدر الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) قائمة الأعلى سعرا في المنطقة بأسرها جراء تبعيتها لبروتوكول باريس الاقتصادي؛ حيث قفز لتر بنزين (أوكتان 95) ليلامس 7.90 شواكل (نحو 2.10 دولار) دون وجود أي شبكة دعم حكومي تمتص الفارق.

وفي جمهورية لبنان، يقف المستهلك في مواجهة عارية مع السوق بعد دولرة القطاع بالكلية، إذ تجاوزت صفيحة البنزين (20 لترا) حاجز 2,599,000 ليرة لبنانية (نحو 29 دولارا للصفيحة، أي 1.45 دولار للتر) مع انعكاس حركة نفط برنت على التسعيرة خلال ساعات.

على صعيد آخر، تقر لجنة التسعير في جمهورية مصر العربية زيادات متتالية لتقليص عجز الميزانية، حيث استقر (أوكتان 92) عند 22.25 جنيه، وسجل (أوكتان 95) 24.00 جنيها (نحو 0.50 دولار)، ورغم انخفاضه بالدولار إلا أنه يشكل عبئا محليا بالغا بسبب التضخم.

وفي الإمارات العربية المتحدة، التي تعتمد آلية التحرير الكامل، أقرت لجنة متابعة الأسعار لشهر مايو زيادة إضافية بنسبة 8% لصنف (E-Plus 91) ليصل سعر الللتر إلى 3.48 درهم (0.95 دولار) دون تدخل من الخزينة.

في حين تعيش الجمهورية العربية السورية أزمة خانقة هي الأعنف لانقطاع الإمدادات المارة بالمضيق، حيث سجل السعر الرسمي الحر لـ (أوكتان 95) نحو 15,870 ليرة سورية (1.35 دولار)، وهو رقم نظري يجبر السكان على الشراء من السوق السوداء بأضعاف قيمته.

وبالمثل، تأثرت الولايات المتحدة الأمريكية ليقفز البنزين العادي (Regular) إلى 4.50 دولار للجالون (1.19 دولار للتر) مع تباين جغرافي بين الولايات.

وتنفرد المملكة العربية السعودية باستقرار كامل بنظام السقف السعري الثابت، حيث استقر (أوكتان 91) عند 2.18 ريال (0.58 دولار) بفضل الإنتاج المحلي الضخم والدعم المباشر.

أما في الأردن، فقد اعتمدت الدولة مزيجا ذكيا وهجينا يقوم على الامتصاص المرحلي للصدمات؛ إذ باعت بنزين أوكتان 90 بـ 1000 فلس (دينار واحد) ما يعادل 1.41 دولار، ممتصة نحو 60% من قيمة القفزة العالمية الفعلية، مع التثبيت الكامل لأصناف أخرى حيوية مما جعل الموقف الأردني متزنا بين حماية الميزانية وأمن جيب المواطن.

بنزين 90 في الأردن: لغة الأرقام ونسبة الزيادة

في الأردن، الذي يعتمد على استيراد معظم احتياجاته النفطية عبر الموانئ البديلة، جاءت التسعيرة الرسمية لشهر مايو 2026 م لتكشف بوضوع عن سياسة التدخل الحكومي لكبح جماح التضخم وحماية السلم المجتمعي.

حيث أعلنت لجنة تسعير المشتقات النفطية الأردنية عن رفع سعر بنزين أوكتان 90 ــ الوقود الأكثر استهلاكا من الطبقة الوسطى ــ بمقدار 90 فلسا فقط، ليصل إلى 1000 فلس للتر (دينار أردني واحد) بدلا من 910 فلوس في الشهر السابق.

وتمثل هذه الزيادة المحلية نحو 9.8% فقط، وهي نسبة ضئيلة جدا إذا ما قورنت بنسبة صعود النفط العالمي التي تجاوزت الـ 65% منذ بداية الحرب وإغلاق المضيق، مما يعني أن الحكومة لم تعكس سوى جزء بسيط من القيمة الفعلية للارتفاع العالمي.

أما بالنسبة للمشتقات الأخرى، فقد تجلت الحماية الحكومية بشكل كلي؛ حيث اتخذت الحكومة قرارا صارما بـ تثبيت سعر الكاز عند 550 فلسا للتر، وتثبيت سعر أسطوانة الغاز المنزلي عند 7 دنانير، ممتصة الارتفاع بالكامل بنسبة زيادة بلغت 0% على المواطن في هذين القطاعين الحيويين للطهي والتدفئة.

الفاتورة المخفية: كيف حمت الحكومة جيب المواطن؟

يكشف التقرير الرقمي للجنة التسعير أن الدولة الأردنية اتخذت قرارا استراتيجيا بـ "التدرج الاقتصادي" وعدم نقل العبء كاملا إلى المستهلك النهائي، حيث تبلغ الكلفة الحقيقية للتر بنزين 90 نحو 1061.3 فلس، مما يعني أن الحكومة تبيع الللتر بأقل من كلفته بـ 61 فلسا.

أما الديزل ــ الذي يمثل عصب النقل والشحن والتجارة ــ فتبيعه الدولة بفارق شاسع جدا يصل إلى 357 فلسا عن كلفته الحقيقية البالغة 1147.27 فلس.

وبناء على هذه المعايير، بلغت التكلفة المباشرة التي تحملتها الخزينة الأردنية لدعم المحروقات وتثبيت أسعار الغاز والكاز لشهر مايو وحده نحو 68 مليون دينار أردني (ما يقارب 96 مليون دولار أمريكي)، وهو مبلغ ضخم ضخ لتأمين الاستقرار المعيشي.

ونجح الأردن من خلال هذه الفاتورة المليونية في عزل جبهته الداخلية عن "تسونامي" الأسعار العالمي الناجم عن حرب المضايق بعد إغلاق هرمز.

فبينما واجهت شعوب دول الجوار (كالفلسطينيين واللبنانيين) قفزات تضخمية فورية ومباشرة أعادت صياغة أنماطهم المعيشية بقسوة، أو دول كبيرة (كمصر وسوريا) تعاني شح التدفقات وتراجع العملات، تحركت شبكة الأمان الاقتصادي الرسمية في عمان لتكون مصدات لامتصاص الصدمة، محولة أزمة الطاقة من تهديد معيشي فوري للمواطن إلى عبء مالي مؤجل تتحمله الموازنة العامة للدولة تماما.

  • الأردن
  • اسعار المحروقات
  • النفط
  • أسعار المحروقات
  • مضيق هرمز