مضيق هرمز
حصار مضيق هرمز.. مقاربة "ترمب" بين مطرقة التصعيد وسندان "حرب الاستنزاف"
- انهيار محادثات "إسلام آباد" يدفع واشنطن نحو خيار الحصار العسكري لمضيق هرمز.
أثار إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، عن فرض حصار بحري شامل على مضيق هرمز، موجة من التساؤلات الجيوبوليتيكية حول مدى واقعية هذا التهديد وقدرة واشنطن على إنفاذه ميدانيا.
وبينما يترقب العالم بقلق تبعات انهيار محادثات "إسلام آباد" بين إيران والولايات المتحدة، يرى خبراء عسكريون أن هذه الخطوة محفوفة بمخاطر جسيمة تتجاوز أهدافها المعلنة.
تؤكد تقارير نشرتها كبرى وسائل الإعلام الأمريكية، مثل "وول ستريت جورنال" و"بلومبيرغ" و"نيوزويك"، أن طهران طورت عقيدة بحرية تقوم على "حروب الاستنزاف" والمعارك غير المتكافئة، مما يجعل فرض سيطرة كاملة على المضيق عبر القوة التقليدية عملية بالغة التعقيد.
خلفية المشهد: منصة "تروث سوشيال" تشعل الفتيل
جاء تصعيد ترمب عبر منصته للتواصل الاجتماعي، حيث نشر الأحد أن عملية السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي "ستبدأ قريبا".
وأوضح أن الحصار سيطال جميع السفن العابرة، مع صدور أوامر للقطع الحربية الأمريكية باعتراض أي سفينة في المياه الدولية ثبت أنها قامت بدفع رسوم عبور للجانب الإيراني.
معضلة التأمين: هل يمكن خنق المضيق حقا؟
رغم هذا الوعيد، يشير موقع "بلومبيرغ" إلى أن التجارب السابقة أثبتت عجز الولايات المتحدة وإسرائيل عن تأمين المضيق بشكل مطلق أثناء فترات الصراع. فقد نجحت إيران في فرض رقابة انتقائية مكنتها من الاستمرار في تصدير نحو 1.7 مليون برميل يوميا من النفط، خاصة نحو الصين.
تاريخيا، انخفضت حركة الملاحة من 135 سفينة يوميا إلى أقل من 10 سفن في ذروة التوتر، لكن المرور استمر لفئات محدودة عبر ترتيبات خاصة مع دول مثل باكستان والهند والعراق، أو عبر لجوء السفن لإطفاء أجهزة التتبع.
الأسباب الخمسة لمخاطر الحصار الأمريكي
تلخص التحليلات العسكرية وصحيفة "وول ستريت جورنال" المصاعب التي تواجه واشنطن في خمسة محاور رئيسة:
عقيدة "الحرب غير المتناظرة"رغم تدمير جزء كبير من الأسطول التقليدي، إلا أن إيران تعتمد على "الزوارق السريعة" التابعة للحرس الثوري. يؤكد الباحث "فرزين نديمي" أن أكثر من 60% من هذه الزوارق لا تزال سليمة، وهي تمتلك قدرة عالية على التخفي وتنفيذ هجمات مباغتة ضد الناقلات العملاقة.
الجغرافيا كسلاح دفاعييضيق المضيق إلى نحو 20 ميلا فقط في أقصى نقاطه، مما يمنح القوات الإيرانية ميزة ميدانية بالاختباء بين الجزر أو على طول السواحل. هذه البيئة تمكنها من إطلاق صواريخ "بر- بحر" من منصات متنقلة، مما يقلص زمن الاستجابة للبحرية الأمريكية ويجعل أي هجوم إيراني عالي التكلفة.
كابوس الألغام البحريةتمتلك طهران الآلاف من الألغام البحرية التي يمكن نشرها بسرعة وبطرق يصعب اكتشافها. يشير الخبراء إلى أن مجرد "التهديد" بوجود ألغام كفيل بوقف الملاحة تماما، إذ إن عمليات التطهير بطيئة وشاقة، بينما تمتلك إيران القدرة على إعادة زرعها بوتيرة أسرع.
سلاح "المسيرات" وإخافة السوقطورت إيران مسيرات بحرية مفخخة قادرة على ضرب الأهداف عن بعد، مما يقلل من الاحتكاك المباشر. الهدف الإيراني هنا ليس النصر العسكري الكاسح، بل جعل الملاحة "غير آمنة" لدرجة دفع شركات التأمين والشحن إلى تعليق أعمالها، وهو ما يعرف بـ "إخافة السوق".
غياب التحالف الدولي المتماسكرغم حديث ترمب عن مشاركة "دول عديدة"، إلا أن بعض الحلفاء يبدون ترددا واضحا. تربط هذه الدول مشاركتها بوجود غطاء تنظيمي دولي أو وقف إطلاق نار دائم، مما يعني أن واشنطن قد تجد نفسها تقود حرب استنزاف منفردة.
من يتحمل الألم أكثر؟
ينتقل الصراع الآن من ضربات محدودة إلى مرحلة "عض الأصابع". لا تحتاج إيران إلى كسر الحصار عسكريا؛ بل يكفيها إطالة أمد الأزمة لرفع كلفتها الاقتصادية على العالم.
تشير التقديرات إلى انكماش اقتصادي حاد في دول الخليج وتعطل سلاسل الإمداد في آسيا، مما يعني أن كلفة الحصار قد تكون أشد وطأة على الاقتصاد العالمي منها على طهران نفسها. بات السؤال الجوهري الآن: من سيصمد أولا في هذا الاختبار العالمي لصبر؟
