شخص يعاني من التفكير الزائد
علم النفس يكشف الأسرار العصبية لـ"التفكير المفرط".. تفاصيل
- يواجه الشخص المفرط في التفكير عملية معقدة عند اتخاذ أي قرار
هل تشعر بأن عقلك لا يتوقف عن الدوران عند مواجهة أبسط القرارات؟ تؤكد الأبحاث الحديثة في علم النفس وعلم الأعصاب أن أصحاب التفكير المفرط يختلفون عن غيرهم بشكل جذري، سواء في البنية العصبية أو في آلية اتخاذ القرارات.
حيث يستخدم هؤلاء نموذجا مغايرا تماما للوصول إلى الخيارات، يتطلب جهدا ذهنيا مختلفا عما يبذله الأشخاص العاديون، وفقا لما جاء في تقرير نشره موقع "Global English Editing".
شبكة الوضع الافتراضي: المحرك الخفي للقلق
عندما ينهي معظم الناس مهامهم أو يواجهون قرارا، تنشط لفترة وجيزة في دماغهم منطقة تعرف باسم "شبكة الوضع الافتراضي" (DMN).
وهي مجموعة من مناطق الدماغ تشمل القشرة الجبهية الأمامية الإنسية والقشرة الحزامية الخلفية والوتد. تتولى هذه الشبكة مهام معقدة مثل:
- معالجة المعلومات الذاتية والذاكرة.
- محاكاة المستقبل والتخطيط.
- أحلام اليقظة والتأمل.
وفي حين تهدأ هذه الشبكة عند الأشخاص العاديين عند التركيز على مهمة خارجية، فإنها لا تهدأ بسهولة لدى من يعانون من التفكير المفرط.
معانات اتخاذ القرار: أكثر من مجرد اختيار
يواجه الشخص المفرط في التفكير عملية معقدة عند اتخاذ أي قرار؛ فدماغه لا يكتفي بتقييم الخيارات المتاحة فحسب، بل يقوم في الوقت ذاته باستدعاء الذكريات الشخصية، ومحاكاة سيناريوهات المستقبل، ومعالجة الارتباطات العاطفية، ومقارنة كل ذلك بتصوره لذاته. وبينما يقوم الدماغ العادي بهذه العمليات لفترة وجيزة، يقوم دماغ المفرط في التفكير بذلك باستمرار مكافحا للتوقف، سعيا لتحقيق "أقصى استفادة" بدلا من الاكتفاء بالحلول المرضية.
المفارقة المؤلمة: جهد أكبر ونتائج أسوأ
كشفت أبحاث أجرتها "مؤسسة راند" عن مفارقة مؤلمة تتعلق بالأشخاص الذين يسعون لتحقيق أقصى قدر من الرضا عن الحياة (المفرطين في التفكير).
فعلى الرغم من بذلهم جهدا معرفيا أكبر بكثير في قراراتهم، إلا أنهم عانوا في الواقع من نتائج سلبية أكثر مقارنة بالأشخاص الذين يكتفون بما هو متاح. وتمثلت هذه النتائج السلبية في:
- قدرة أقل على التكيف السلوكي.
- اعتماد أكبر على الآخرين عند اتخاذ القرارات.
- تجنب أكبر لعملية اتخاذ القرار بشكل عام.
ميل أكبر للشعور بالندم. وبذلك، لم يؤد البحث المضني عن الخيار الأمثل إلى نتائج أفضل، بل إلى نتائج أسوأ؛ حيث إن قدرتهم على التوقف عن التفكير والتدبر أضعف.
صراع الشبكات الدماغية: لماذا نشعر بأننا "عالقون"؟
من أهم النتائج العصبية المتعلقة بالمفرطين في التفكير، وجود علاقة متضاربة بين شبكتين دماغيتين. فعندما تكون "شبكة الوضع الافتراضي" (DMN) -المسؤولة عن الاجترار الداخلي- نشطة للغاية، يظهر نشاط منخفض في "الشبكة الجبهية الجدارية" (FPN) المسؤولة عن الانتباه الموجه نحو الهدف والتحكم التثبيطي وكبح المعلومات غير ذات الصلة. هذا يعني أن نظام التحكم في الانتباه -الآلية التي تساعد على التخلص من الأفكار المتكررة والالتزام بقرار- يتم كبحه فعليا بينما ينغمس الشخص في التفكير.
لذا، فإن البنية العصبية المسؤولة عن اتخاذ القرار تضعف في الوقت نفسه البنية التي تسمح لهم بالتوقف عن التفكير، وهو ما يفسر شعورهم بأنهم "عالقون في أفكارهم".
الأوهام المعرفية: حلقة مفرغة من التفكير السلبي
يقع المفرطون في التفكير في فخ معرفي شائع، وهو الاعتقاد بأن الاستمرار في التفكير في مشكلة ما سيؤدي في النهاية إلى حلها.
وقد اكتشف الباحثون أن هذا الاعتقاد الضمني يزيد من الاجترار بدلا من تقليله، لأنه يصور الإفراط في التفكير على أنه عمل منتج، حتى عندما لا ينتج سوى القلق.
ووصفت عالمة النفس "سوزان نولين-هوكسيما" هذا النمط بأنه تركيز متكرر وسلبي على المشكلة وأسبابها دون السعي نحو حلها. حيث يكون النشاط الذهني دائريا وليس خطيا، فيولد المزيد من الأسئلة بدلا من الإجابات، ويضعف الوضوح بدلا من تعزيزه.
الآثار الفسيولوجية: جسد تحت تأثير التهديد المستمر
لا يتوقف ضرر التفكير المفرط على الجانب المعرفي، بل هو حدث فسيولوجي أيضا. فعندما يدرك الدماغ حالة عدم اليقين أو التهديد (سواء كان حقيقيا أم متخيلا)، يتم تنشيط محور الغدة النخامية-الوطائية-الكظرية، مما يحفز إفراز الكورتيزول.
وبخلاف الأشخاص العاديين الذين ينخفض لديهم الكورتيزول بمجرد حل الموقف، فإن الموقف لا يحل تماما لدى المفرطين في التفكير؛ لأن الاجترار يبقي الشعور بالتهديد حيا. ويؤدي هذا الاجترار المزمن إلى بقاء الجهاز العصبي الودي منشطا، مما يؤثر سلبا على:
- النوم.
- الهضم.
- ضغط الدم.
زيادة الالتهابات الجهازية مع مرور الوقت.
الحل ليس في "التوقف"
أظهرت أبحاث العالم "دانيال ويغنر" حول "نظرية العملية الساخرة" أن محاولة كبت الأفكار عمدا تؤدي إلى ارتدادها بقوة أكبر.
لذا، فإن الطريق الأفضل ليس التفكير بشكل أقل، بل فهم ما يفعله الدماغ، وتعلم إعادة توجيه هذه الآلية نحو الحل بدلا من التكرار؛ فالمشكلة تكمن في الاتجاه وليس في آلية التفكير نفسها.
