الذهب
58 مليار دولار في الدقيقة.. كيف اهتز عرش الذهب وتبخرت الثروات خلال ساعات؟
- تم تداول ما قيمته 58 مليار دولار في الدقيقة الواحدة خلال ذروة الانهيار.
لم يكن مساء الجمعة مجرد إغلاق أسبوعي معتاد لأسواق المال العالمية؛ بل كان بمثابة "تسونامي مالي" ضرب الملاذ الآمن الأكثر شهرة في العالم.
في غضون ساعات قليلة، تحول صعود الذهب الجنوني إلى سقوط حر، حيث تم تداول ما قيمته 58 مليار دولار في الدقيقة الواحدة خلال ذروة الانهيار، ليفقد المعدن الأصفر مئات الدولارات من قيمته، مخلفا وراءه خسائر فادحة وذعرا بين المستثمرين الصغار والكبار على حد سواء.
تشريح الانهيار: من القمة إلى القاع
بدأت القصة عندما وصلت أونصة الذهب إلى مستوى قياسي غير مسبوق عند 5600 دولار، مدفوعة بمخاوف الحرب في الشرق الأوسط والتحشيد الأمريكي ضد إيران. وفجأة، وفي تحول دراماتيكي، انقلبت الشاشات إلى اللون الأحمر القاني.
هوى السعر بشكل عمودي كاسرا كل حواجز الدعم (5500، 5300، 5000)، ليستقر عند الإغلاق قرب 4895 دولارا.
نحن نتحدث عن فقدان أكثر من 700 دولار في الأونصة الواحدة خلال جلسة واحدة، وهو ما يعادل خسارة بنسبة تقارب 13%، وهي نسبة نادرة الحدوث في عالم السلع.
لغز الـ "58 مليار دولار".. ماذا حدث؟
الرقم المرعب الذي تداولته وكالات الأنباء الاقتصادية (58 مليار دولار في الدقيقة) يشير إلى حجم "السيولة البيعية" (Notional Volume) التي تم ضخها في السوق خلال لحظات الذروة.
هذا الحجم الهائل لا يمكن أن يكون ناتجا عن أفراد، بل هو نتيجة ما يسمى بـ "حرب الخوارزميات" (Algorithmic Trading).
فعندما كسر حاجز دعم رئيسي، أعطت أنظمة التداول الآلي للبنوك الكبرى وصناديق التحوط أوامر بيع فورية لجني الأرباح أو وقف الخسارة، مما خلق "كرة ثلج" من البيوع المتتالية التي لم تجد من يشتريها، فانهار السعر.
الأسباب الخفية وراء الزلزال
يجمع خبراء الاقتصاد على أن هناك "مثلث رعب" تسبب في هذا الانهيار:
عمليات جني أرباح تاريخية: وصل الذهب إلى مستويات تشبع شرائي مفرطة (Overbought). كان كبار المستثمرين (الحيتان) ينتظرون اللحظة المناسبة للخروج بأرباحهم الخيالية قبل إغلاق الأسبوع، متخلين عن الذهب مقابل "الكاش" (الدولار).
خدعة "السوق الهابط": يرى محللون أن ما حدث كان "مصيدة ثيران" (Bull Trap)؛ حيث تم رفع الأسعار لجذب صغار المستثمرين، ثم قام الكبار بالبيع عليهم دفعة واحدة عند القمة.
سداد الهوامش (Margin Calls): مع اضطراب أسواق الأسهم والعملات المشفرة، اضطرت بعض الصناديق لبيع الذهب (الأصل الرابح) لتغطية خسائرها في أصول أخرى، مما زاد من الضغط البيعي.
الضحايا: صغار المدخرين وأسواق التجزئة
الخاسر الأكبر في هذه المعركة كان المواطن العادي وصغار التجار في الأسواق المحلية (كما حدث في الأردن).
فقد اشترى الكثيرون عند القمة ظنا منهم أن الصعود مستمر بلا نهاية، ليستيقظوا على خسارة تلتهم جزءا كبيرا من رأس مالهم.
وكما تسبب الانهيار في شلل تام لحركة البيع والشراء في محلات الصاغة، حيث أصبح "تسعير الجرام" معضلة؛ فلا التاجر قادر على الشراء دون المخاطرة بالخسارة، ولا المواطن قادر على تقبل فكرة بيع مدخراته بهذا السعر المنخفض.
ماذا ينتظر يوم الإثنين؟
تتجه الأنظار الآن بقلق شديد إلى افتتاح الأسواق الآسيوية صباح الإثنين. السينياريوهات مفتوحة على مصراعيها:
سينياريو الارتداد: أن يعتبر المستثمرون هذا الهبوط "فرصة شراء ذهبية" (Buy the Dip) فتعود الأسعار للصعود.
سينياريو الاستمرار: أن تستمر حالة الهلع، وتجبر البنوك على تسييل مزيد من الذهب، لنرى مستويات قد تصل إلى 4500 دولار.
في النهاية، أثبت سوق الذهب مرة أخرى أنه رغم كونه "ملاذا آمنا" على المدى الطويل، إلا أنه قد يكون "ساحة إعدام" لرؤوس الأموال على المدى القصير عندما تتحرك الحيتان.
