أطفال من غزة يصطفون للحصول على المساعدات الغذئية
"أطباء بلا حدود" تتهم الاحتلال: استخدام المساعدات كسلاح حرب مستمر رغم وقف إطلاق النار في غزة
في تصريح يكشف عن عمق الأزمة السياسية والإنسانية في قطاع غزة، اتهمت منظمة "أطباء بلا حدود" الدولية، اليوم الأحد، الاحتلال بمواصلة "استخدام المساعدات الإنسانية كسلاح حرب"، معتبرة إياها "ورقة ضغط" ضد الفلسطينيين.
وتأتي أهمية هذا التصريح، الذي نقل عن منسقة مشروع المنظمة في غزة كارولين ويلمن، من كونه يصدر عن واحدة من أبرز المنظمات الإغاثية المحايدة العاملة على الأرض، وفي ظل اتفاق وقف إطلاق نار قائم، مما يحول الأزمة من مجرد "قصور لوجستي" إلى "استراتيجية سياسية متعمدة" لفرض شروط عبر تجويع السكان.
عامان من الحرب وهدنة لا تضمن الإنسانية يأتي هذا الاتهام في سياق سياسي معقد. فبعد عامين على ما وصفته ويلمن بـ "رعب الإبادة الجماعية" الذي يعيشه الفلسطينيون (في إشارة إلى الصراع الممتد منذ أواخر 2023)، تم التوصل إلى "اتفاق وقف إطلاق النار". هذا الاتفاق، الذي رعته جهات دولية وإقليمية، كان يفترض أن ينهي العمليات العسكرية الكبرى ويفتح الباب أمام تدفق المساعدات الإنسانية لإعادة تأهيل القطاع المدمر.
لكن الممارسة على الأرض، كما تشهد "أطباء بلا حدود"، ترسم صورة مختلفة. فبدلا من أن يكون وقف إطلاق النار بوابة للتعافي، يبدو أنه تحول إلى مرحلة جديدة من الصراع، تستخدم فيها أدوات غير عسكرية.
لطالما واجه الاحتلال اتهامات بفرض حصار خانق على غزة، لكن ربط المساعدات بـ "شروط سياسية" في مرحلة ما بعد الاتفاق، كما تؤكد ويلمن، يعني استخدام الاحتياجات الأساسية (الغذاء، الماء، الدواء) كرهينة لتحقيق مكاسب سياسية لم تتحقق بالعمل العسكري. هذا التكتيك يحول المنظمات الإنسانية، رغما عنها، من أدوات إغاثة إلى أطراف في مفاوضات سياسية معقدة.
شهادة من قلب المعاناة قدمت كارولين ويلمن، في تصريحاتها المنشورة على موقع المنظمة الرسمي، تفاصيل دقيقة ترسم ملامح هذه "الحرب المستترة":
رفض "المقايضة السياسية": أكدت ويلمن بشكل قاطع أن "المساعدات الإنسانية المرسلة إلى قطاع غزة لا يجب أن تربط بأي شروط سياسية". هذا التصريح هو جوهر الاتهام السياسي، إذ يذهب إلى "نية" التعطيل وليس فقط "نتيجته".
هشاشة وقف إطلاق النار: على الرغم من الاعتراف بانخفاض "الهجمات على القطاع بشكل كبير"، إلا أن الهدنة ليست كاملة. وكشفت ويلمن أن جيش الاحتلال شن "هجوما واسعا في 19 تشرين الأول الحالي" (أي قبل أسبوع واحد فقط)، بالإضافة إلى "استمراره إطلاق النار شبه اليومي". هذا يضعف الثقة بالاتفاق ويجعل تقديم المساعدات محفوفا بالمخاطر.
الوضع الإنساني "لم يتحسن كثيرا": فشل وقف إطلاق النار في تغيير الواقع الإنساني الكارثي. وأشارت ويلمن إلى استمرار "نقص المياه والمأوى"، ووجود "مئات الآلاف ما زالوا يعيشون في الخيام مع اقتراب فصل الشتاء".
استمرار سوء التغذية: في مؤشر خطير على فشل آلية المساعدات، أكدت أن فرق المنظمة "تواصل تسجيل حالات سوء تغذية حاد بين الأطفال دون الخامسة والحوامل". ورغم وجود "تحسن طفيف"، يبقى "الوضع الغذائي مقلقا".
فشل "الحد الأدنى": لخصت ويلمن المأساة بالقول إن تقديم الخدمات الصحية "ما زال صعبا جدا"، وإن الاحتياجات لم تصل حتى إلى "الحد الأدنى من الشروط الإنسانية الأساسية"، مضيفة: "نحن بحاجة ماسة للمساعدات فقط لضمان أن ينام الناس على فراش وبطانية داخل خيمهم".
من "إدارة الصراع" إلى "إدارة الحصار" تمثل شهادة "أطباء بلا حدود" تحولا خطيرا في مسار الأزمة، حبث إنها تنقل الرواية الدولية من "جهود إعادة الإعمار بعد الحرب" إلى "إدارة الحصار في ظل هدنة". هذا الاتهام المباشر للاحتلال بـ "تسليح المساعدات" يضع ضغطا هائلا على رعاة اتفاق وقف إطلاق النار والدول المانحة.
فبدلا من مناقشة خطط إعادة بناء غزة، التي قالت ويلمن إنها "ستستغرق وقتا طويلا"، تجد المنظمات الدولية نفسها غارقة في صراع يومي لتأمين "بطانية وفراش". تصريحات المنظمة هي نداء للمجتمع الدولي للتدخل وفصل الملف الإنساني عن أي ابتزاز سياسي، وإدراك أن وقف القصف لا يعني بالضرورة وقف الحرب.
