حيفا التي لم تغادر عبد اللطيف كنفاني

فلسطين
نشر: 2020-06-18 11:01 آخر تحديث: 2020-06-18 11:01
من وكالة الانباء الفلسطينية - وفا
من وكالة الانباء الفلسطينية - وفا

رحل عبد اللطيف كنفاني (93 عاماً) في الثامن من كانون أول 2019، بعد أن ترك وراءه كنزا ثقافيا ومعرفيا لكل فلسطيني اقتلع من بيته وأصله، وحُرم من تفاصيل بلاده، عبر عدة إصدارات: (15 شارع البرج.. حيفا)، (يوميات حيفا -باللغة الانجليزية-)، و(من عكا وإليها).


اقرأ أيضاً : النكبة حكاية لجوء تورث جيلا بعد جيل ..كي لا ننسى - فيديو


في (15 شارع البرج.. حيفا) وهو واحد من الكتب المهمة والمؤثرة بالنسبة لحياة الفلسطينيين قبل النكبة، والتشتت والضياع الكبير، الذي ما زال الملايين يعانون من تبعاته. يكتب عبد اللطيف كنفاني كتابا أفضل ما يوصف به هو أنه "حنيني". فهو يسرد ذكرياته وحياته في حيفا قبل النكبة وسقوط المدينة في 22 نيسان 1948.

كنفاني الذي تهجر من حيفا شابا صغيرا، وجال لأكثر من 71 عاما في مناف متعددة، عمل خلالها في الكويت والسعودية وعمان وقبرص، لم تنسه تلك السنوات الطوال البيت الأول "البيت الأم كما يسميه"، في شارع 15 البرج، وهو اسم الكتاب الذي سيروي فيه تفاصيل البيت والشارع وحيفا وصيدا..

بدءً من البيت، المكان الأول الذي ينشأ فيه الانسان، ولا ينساه أينما حل، يسترجع كنفاني بيت عائلته، البيت الذي لم يحتل في الذاكرة: "الدار الكبيرة العريقة، صحن الدار ذو الأعمدة الرخامية، الليوان والكوات العالية المستديرة المزدانة بالزجاج الملون.. البيت الأم، حاكورة واسعة انتشرت فيها أشجار الصنوبر والكينا والسرو، وشجرة الزنزلخت الحانية على جدار إحدى غرف النوم، وفي الساحة الخارجية للمطبخ شجرة رمان وحيدة".

لا يستذكر كنفاني البيت والعائلة والحجر والشجر والشارع المؤدي للبيت فقط، بل يتذكر حتى الطيور والحيوانات: "أعود بذاكرتي إلى هرتي عنبرة، وإلى كلبتنا ستيلا، وأذكر الببغاء التي عمرت سنوات طوال وأصبحت جزءا من مفروشات البيت، والغزال في أركان الحديقة".

في عمق البيت وداخله، كان يتربع على طاولة خاصة به "فونوغراف" ذو بوق أحمر جذاب، مستلزمات هذا الصندوق الموسيقي العجيب من كوانات بيضاء فون وعلب إبر ومسحات مخملية، هذه التفاصيل الصغيرة، فتحت في ذاكرة كنفاني تشعبات قادته للكتابة مخزن أبو صلاح العكاوي في السوق الأبيض، والذي كان يبيع مستلزمات موسيقية.

إضافة إلى استعادته لمحل "بوتاجي" الوكيل المعتمد لأجهزة وتسجيلات "صوت سيدة" بماركتها المسجلة المتمثلة بكلب جاثم أمام بوق فونوغراف تبدو عليه علائم الإصغاء، وكوانات محمد عبد الوهاب ولور دكاش ومنيرة المهدية وأم كلثوم. "

"العيد في حيفا"

 يذكر كنفاني أن ساحة العيد في حيفا كانت تسمى "المراجيح" قرب البوابة الشرقية، أرض منبسطة وفسيحة جوار المسبح الشعبي الذي كان يديره أبو نصوح بتكليف من البلدية عن بطن القوس الذي يشكل خليج عكا على مقربة من محطة روتنبرغ لتوليد الكهرباء.

لا ينسى كنفاني طقوس العيد وألعاب الأطفال، مسترجعا منها: البهلوان الذين يسيرون على حبال مشدودة، وصندوق الفرجة، وحركات المهرج "أبو جميلة" وصاحب القرود الذي كان يأتي بسعدان لتمثيل عدة أدوار مسلية، والرأس المتكلم الذي يطل من خلف ستارة بحيث لا يظهر جسده ويجيب الأطفال عن اسألتهم وسط ضحك ولعب الأطفال.

ومن يوميات العيد في حيفا، يذكر كنفاني، الذهاب إلى سينما عدن وسينما عين حوض لمشاهدة أفلام طرزان والعسكر والحرامية، وفي الأمسيات كانت سينما بستان البلد تعرض أفلام عبد الوهاب وبدر لاما وعلي الكسار واسيا داغر وماري كويني.. أفلام "الوردة البيضاء" و"الهارب"، و"عاصفة في الصحراء"، و"بنكنوت". كما يذكر أمسيات مسارح حيفا وفرق يوسف بك وهبي ورمسيس وحسين حسني وعبد الله المدرس، وكان "مقهى ومسرح الكوكب" ينفرد باستضافة أم كلثوم.

ولا ينسى كنفاني مطاعم ومقاهي حيفا وامتلاءها بالرواد خلال أيام العيد، خاصة "مطعم حرب"، و"قهوة إدوار"، وقهوة "إدمون" ومقهى "المتروبول".

لا يعود كنفاني في مذكرات طفولته إلى حيفا فقط، بل لعكا وقضاء العيد فيها نصيب: "الذهاب إلى عكا أيام العيد كان أشبه بالحجيج، نصف ساعة أو أقل تستغرقها رحلة القطار من حيفا وإذ بك في "استسيون" عكا، وهي قبالة "الصمدة" وهي مرتفع بجوار مقام النبي صالح وعلى مقربة من جنينة البلدية، حيث يلهو الأبناء ويركبون المراجيح، وركوب الحمير في نزهة، والغناء قرب المياه في حلقات..

من عكا، ينتقل كنفاني إلى يافا.. حيث استراحة العزيزية، وكان قبلة المتنزهين، وتل السمك الذي طالما استهوى العائلات الحيفاوية، ومسبح حيفا الشعبي.

ينتقل كنفاني إلى منتصف الثلاثينات، ودراسته في "المدرسة الاسلامية في حيفا"، التي اشتهرت بمدرسة البرج، وكان يأتيها المدرسون من دمشق وصيدا. والرحلات الكشفية ومرورها بساحة الحناطير، وكانت محلات ميخائيل أبو فاضل تكسيهم الهندام الكشفي، وتسلق قمة جبل الكرمل، والاستراحات في مزار الخضر أو ساحة كنيسة مار الياس على مقربة من فنار حيفا، وحديقة "عباس أفندي".

ويذكر كنفاني أهم المدارس التي كانت قائمة في ذلك الوقت: مدرسة الفرير والمدرسة الألمانية ومدرسة الساليزيان وهي ايطالية المنهج والمرجعية، والتي تحولت إلى مدرسة الكرمل ثم اغلقت من قبل سلطات الانتداب البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية، وبقي منها اليوم فرع وحيد في مدينة الناصرة، إضافة إلى المدارس الحكومية التابعة لدائرة المعارف في فلسطين: كالمدرسة الحكومية ومدرسة البرومي ومدرسة السباعي ومدرسة حيفا الصناعية، ومن مدارس حيفا المختلطة كانت مدرسة كارمل سان جوزيف في وادي الصليب، اضافة إلى ما يسميه كنفاني بزينة مدارس حيفا وهي "المدرسة الانجليزية العالية للبنات"، بعد ذلك وفي الاضراب الشهير الذي استمر لستة اشهر عام 1936، انتقلت أعداد كبيرة من طلبة وطالبات حيفا والشمال الفلسطيني بصورة خاصة إلى المدارس الثانوية اللبنانية كمدارس بيروت وطرابلس وصيدا والشويفات وعاليه وسوق الغرب وبرمانا، أما كنفاني فتوجه إلى مدرسة الفنون الأميركية في صيدا وكان يعود إلى حيفا بين فترة وأخرى مع طلبة آخرين بتنظيم من مناد السيارات أبو صالح الطفران، حيث كانت تصطف بوسطات السكاكيني والصاوي زنتوت وأبو ظهر والتي كانت تنقل من بيروت إلى حيفا.

عجيب أمر هذه الدنيا. أخي كمال الذي كان قد غادر حيفا الى الولايات المتحدة الأميركية قبل سنة من اندلاع القتال وسقوط المدينة، لمتابعة دراسته العليا في جامعة سيراكوز، عاد الى البلاد بتبعيته الأميركية بعد ما يقرب خمسا وأربعين سنة.

وبينما هو يتأمل الأطلال الدارسة من البيت العتيق علمت بوجوده امرأة يهودية تسكن وأسرتها ما تبقى من الدار. ولما عرفت انه ابن أصحاب الدار الأصليين بادرته بالسؤال عما هو فاعل في أمر تسرّب الماء من سقف المنزل في الأيام الماطرة. حقاً يا لسخرية الأقدار، كأني بهؤلاء الغرباء يعترفون في قرارة أنفسهم بعدم شرعية استيلائهم على الديار المغتصبة.

ولد  كنفاني في حيفا عام 1926، تلقى تعليمه الابتدائي في المدرسة الاسلامية بحيفا "مدرسة البرج" وأكمل دراسته الثانوية في مدرسة الفنون الأميركية في صيدا، ثم الجامعة الامريكية في بيروت، ثم عاد الى القدس ليلتحق بمعهد الحقوق وعمل في تلك الأثناء في بيت المال العربي المنبثق عن الهيئة العربية لفلسطين.

بعد النكبة والتهجير، عمل كنفاني في حكومة الكويت، ثم في عدد من المؤسسات الاستشارية والمصارف في لبنان والسعودية وعمان وقبرص، قبل أن يعود إلى بيروت.


اقرأ أيضاً : "دير ياسين".. جُرح لم يلتئم منذ 71 عامًا


 

أخبار ذات صلة