طاهر المصري : هذه هي ضرورات الاصلاح في الأردن
رؤيا - القى رئيس مجلس الاعيان السابق طاهر المصري محاضرة في منتدى السلط الثقافي بعنوان " ضرورات الاصلاح في الاردن " ، تناول فيها الاخطار المحيطة بالمملكة والجهود المبذولة للاصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الأردن ، ومقومات ذلك الاصلاح واسباب نجاحه .
وفي ما يلي النص الكامل للمحاضرة :
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرات الاخوة والأخوات الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
في السلط ، مدينة العلم التي تعتز بأول وأعرق مدرسة في تاريخ المملكة ، يشعر الإنسان بـــدفء خالص . فمن هنا ، من هذه المدينة الجميلة ، العـــريقة بعشائرها وعائلاتها ورجالاتها ، تخرج الكثيرون من رجــالات الوطن ، وقادة المؤسسة الذين كانوا يقصدونها من كل أرجاء الأردن ، طلبــا للعلم في الزمن الصعب بظروفه ، الجميل والرائع في مخرجاته .
السلط شقيقة نابلس ، والسلط مثال حي صادق ، لوحدة الهدف والمصير للشعبين الشقيقين على ضفتي نهــر الأردن ، حيث تتشابك العائلات إيجابيا بالمصاهرة والنسب ، تماما كسائر مدننا الأردنية العزيزة ، حيث الأخوال والأعمام والأصهار هنا وهناك ، في نسق عروبي أكثر من رائع .
الشكر لمنتدى السلط الثقافي وإلى د. علي حياصات على إتاحتهم لي هذه الفرصة للتداول في الشأن العام .
حضرات الأعزاء ،
فبعد أن هدأت العاصفة التي سببتها زيارات جون كيري للمنطقة خلال الأشهـــر الأولى من هذا العام ، ومع ظهور كوارث أخرى حلت بالمنطقة منذ ذلك الحين ، صار من الضروري أن نتعامل بل أن نتصدى لمشكلاتنا وقضايانا الداخلية ، وترتيب بيتنا ، حتى نكون قادرين على حماية الوطن وإنجازاته ، قولا وفعلا وإرادة وإيمانا .
ودعوني أبدأ بالقول أن صورة الأردن في العالم ، صورة براقة ومشرقة بشكل عام . فالأردن ، البلد الصغير في حجمه والكبير بدوره ، الفقير في ثروته الطبيعية ، ويعيش في إقليم ملتهب وغير مستقر ، أصبح ركيــزة وعنصرا أساسيا في هذه المنطقة ، وله دور سياسي مقر ومعترف به . والأردن في نظر القوى الكبرى وسائر دول المنطقة ، بلد العيش والتعايش المشترك والتسامح والوسطية . هو البلد الآمن والمستقر ، والساعي إلى ترسيخ مبادىء العدل والمساواة والقبول بالآخر . لكنه في نفس الوقت ، هو البلد المهدد دائما بأمنه وإستقراره ، خاصة من بعض جيرانه ، نتيجة لتمسكه بتلك المبادىء . وأصبحت تلك القوى والدول تتعامل مع الأردن على هذا الأساس ، وتسعى لدعم وتأييد هذا الواقع الأردني ، وتمتينه سياسيا وإقتصاديا وحتى عسكريا . حتى أصبح الأردن من أقرب دول العالم في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي ، والولايات المتحدة ، ونمور آسيا وحلف الأطلسي .
وتساهم في تعزيز هذه الصورة البراقة ، القوات المسلحة الأردنية ، والخدمات الطبية الملكية ، وأجهزة أمنية أخرى ، التي تقدم خدماتها منذ سنوات طويلة ، في مجال حفظ السلام والأمن ، وتقديم الرعاية الصحية في مناطق منكوبة في مختلف أنحاء العالم .
في كل ذلك ، يجب أن يرد الفضل إلى صاحب الفضل . وفضل جلالة الملك عبد الله في ذلك لا ينكره أحد .
هذه الحقيقة يجب الاعتراف والاعتزاز بها . فصورة الاردن في أذهان العالم بأسره إيجابية ، حضريا وحضاريا ، جراء قــدرته على استقراء المستقبل ، واستباق الأحداث والإستعداد لها بشكل منظم ومتــدرج . مما شكل إنطباعا عالميا عن اختلاف نظامنا السياسي عن باقي دول الإقليم . إلا أن علينا أن نقر بالتباين بين الصورتين ، الخارجية والداخلية ، بين ما نريده لانفسنا ونتمناه لوطننا ، وبين ما نعيشه اليوم . ففي مملكتنا ثمة جيوب إجتماعية بدأت تنعزل على ذاتها ، حتى صارت مرتعا للفكر المنغلق الذي يجد في دعوات التطرف ، سبيلا للتعبير ومنهجا للفكر . كما أن هناك ظروفا معيشية وأوضاعا إدارية ، وتحولات إجتماعية تؤدي في نتيجتها إلى تخلخل في النظام العام وفي الإنضباط مجال الثقة بين المواطن والمسؤول . وهو ما يجب أن نواجهه بالتحديث المطلوب تربويا وقيميا ، وبث روح الوطنية التصالحية والتسامحية ، ذات الأفق الرحـــــــب والفضاء الفسيح ، و ترسيخ دولة المواطنة والعدالة .
ويسيطر على المواطن الأردني حالة من الإحباط الذي له أسباب متعددة . إننا ونحن نفتخر بأصالتنا ، تاريخيا وجغرافيا ، ونظاما سياسيا وهوية وطنية ، وتعددية سياسية ودينية ، فإننا ما زلنا بعيدين عن تحقيق هدفنا وهو بناء الدولة المدنية الحديثة . وربما إننا في ظل الظروف الإقليمية المضطربة والدموية ، وفي ظل أوضاعنا الداخلية ، أقول ربما نحن ندفع بعيدا عن تحقيق ذلك الهدف . ويرى هذا المواطن أن التغيير في الأمور السياسية ، ربما يسير بتدرج إصلاحي مقبول ، ولكن حتما فإن التغيير في جوانب أخرى من حياته ، كالوضع المعيشي يسير في الاتجاه المتراجع السلبي . وبسرعة أكبر من سرعة النمو المتدرج في المسار السياسي . وهذا يزيد الأعباء المادية والنفسية على المواطن .
الحضور الكرام ،
لقد أحرزنا تقدما جيدا في مجال الإصلاحات التي اشتملت على جوانب عديدة من حياة الأردنيين ، ولكن هـــــذا القـــدر من الإصلاح قد تم أغلبه في ( النصوص) ، ولم يحقق القدر الكافي في مجال إصلاح ( النفوس ) . والآن حان وقت التعامل مع ( النفوس) . فقد تغير بنيان الفرد الأردني الفكري والذهني والانساني واختلفت سلوكياته ، وبالتالي يتغير الان بنيان المجتمع تبعا لذلك . وجرى هذا التغيير الذي لا زال مستمر لأسباب عديدة منها :
1- لم تتوأم أو تنسجم السياسة التربوية والإدارية والإجتماعية ، مع ما يرنو إليه التطور النوعي الذي سار عليه العالم والعلم منذ ثورة المعلومات والتكنولوجيا . ولذلك فقد تراجعت اخلاقيات التعليم ومستواها المهني . وزاد تدخل الحكومات في إستقلالية الجامعات ، وفي النشاطات الطلابية والأكاديمية ، وبالتالي تراجعت مخرجات الجامعات والتعليم . وأصبح الحرم الجامعي من أضعف نقاط المجتمع الأردني وأكثرها ضياعا بعد أن كان من أقواها .
2- إزدياد نسب الفقر والفقراء ، بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي تعاني منها قطاعات واسعة من المواطنين ، وتراجع الشعور بالامان الاقتصادي والمعيشي . ووجود أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل ، خاصة في المحافظات . وللاسف فأن هذا الحال يتعمق ، بالرغم من كل الجهود المخلصة ، والأموال التي تبذل لتحسين الوضع .
3- عوامل سياسية متعددة ، منها تداعيات الصوت الواحد في قانون الإنتخاب ، مما أدى إلى تبعثر مفهوم الإنتماء ، وابتعاد عن المفاهيم الوطنية العامة ، وإزدهار المفاهيم الجهوية الضيقة ، الأمر الذي أدى كذلك ، إلى تراجع مفهوم الدولة والإنتماء إليها ، في الوقت التي تترسخ فيه مفهوم الدولة ، ويتقوى ويأخذ أبعادا جديدة في دول العالم ، هذا إلى جانب حديث الفساد الذي يتداوله العامة بشكل واسع ، مع قناعات سلبية حول محاربة الفساد ومعاقبة الفاسدين . وكذلك تعثر البلديات ، وعدم قدرتها على تلبية حاجات الناس ، فضلا عن البيروقراطية التي أصبحت معطلة لمصالح الناس ، بسبب عدم إستقرار التشريع وترهل الجهاز الإداري وسيطرة الواسطة ومعايير أخرى على التعيينات . مما نتج عنه عدم مواكبة البنية التحتية لحاجات السكان ، إما بسبب عدم توفر المخصصات اللازمة لها في الموازنة العامة ، أو بسبب الهجرات السكانية . وأدى هذا إلى ضعف منسوب الثقة بين المواطن والمسؤول .
4- تأثير ديني عقائدي مصدره مفاصل الصراع الذي يجري حولنا ، خاصة أثر تلك التقسيمات السياسية والإنقسامات الأثنية والدينية والطائفية ، والتي أصبحت بوادرها واضحة في كل من العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا . وربما يأتي الــدور أيضا علــى بعض دول مجلس التعاون الخليجي ، أيضا ، الخلاف الحاد الجاري في مصر الشقيقة ، وكذلك تداعيات القضية الفلسطينية المستعصية على الحل . وهناك من يعتقد بأن خارطة المنطقة ستكون مختلفة عام 2020 ، عما هي عليه اليوم .
5- جيل الشباب الذي لا يزيد عمره اليوم عن 25 عاما ، والذي يشكل أكثر من 35% من المجتمع الأردني ، فقد تأثر هذا الجيــل بتلك العوامل المذكورة . إضافة إلى أنه عـــاش في ظل ثقافة الانترنت التي وفرت له معلومات وحرية تعبير لا سابق لهما . ولذلك فإن التكوين الفكري والسياسي والاجتماعي لهذا الجيل ، اختلف كثيرا عـــــن تكــــــوين من سبقهم من أجيال . وهو جيل يمكن القول بأنه جيل (متمرد) او مستجد في ثقافته ومفاهيمه ، قياسا على معايير الماضي ، ومن الصعب أن يقبل بما قبل به جيلنا .
حضرات الأخوة والأخوات ،
تلك بعض من عوامل وأسباب عديدة تجلعنا بحاجة ماسة، إلى إعادة التفكير في كثير من السياسات والممارسات وأنماط إدارة الدولة . وهنا أعتقد بضرورة أن يتركز الجهد على إعادة الاهتمام بالإنسان الأردني ، وإعادة تأهيله وبنائه ، بحيث يكون هناك توازن في شخصيتــــه ، بين مفاهيمه وواجبه الوطني ، وبين متطلبات الفرد المعيشية والاجتماعية . فإتساع الخلل يجعلنا بحاجة إلى ( ثورة بيضاء) حقيقية طال إنتظارها ، نابعة من شراكة حكومية وأهلية ، أساسها تعزيز وترسيخ مفاهيم الدولة الحديثة ، القائمة على سيادة القانون ، وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص ، بحيث تعتمد على رؤى وخطط بعيدة المدى ملتزم بها وبتنفيذها ، وبإرادة سياسية حازمة حاسمة ، ليعود المجتمع الأردني ، ذلك المجتمع الذي كان مليئا بتلك الأمثلة البراقة . وليصبح الإنسان الأردني محصنا وحارسا على مصالح وطنه .
سادتـــي ،
إن من الضـــروري الشـــروع في مراجعة شاملة لجميع خططنــــــــا وسياساتنا ، على نحو يؤدي إلى وقف التراجع ، في القيم والمفاهيم والانتماءات ، وفي هيبة الدولـــــة . وأن يـــــــؤدي كــذلك إلى إيقاف التسرب نحو دعم القوى الظلامية ، والإنضمام إليها . وهو تسرب بدأ بالظهور في بعض زوايا المجتمع . وفي هذا السياق أعتقد ، أن هذه القوى تلاقى هوى ودعما سياسيا واجتماعيا عند أعداد متزايدة من الشباب الأردني عموما ، تحت وطأة الضياع والاحباط . خاصة وان تلك القوى بدأت بإيقاظ السلبيات التي كانت نائمة أو مكبوتة في مجتمعنا . إن التسرب الممنهج في مجتمعنا ، سببه أن المواطن أصبح يمتلك قنوات وأدوات للتعبير عن إحباطاته وتظلماته ، سواء كانت هذه صحيحة أم لا . وبالتالي ، فإن دعم البعض لتلك القوى وتوجهاتها ، ليس بالضرورة اتفاقا في العقيدة أو الرأي أو الممارسات ، وإنما هو ناجم في كثير من الأحيان ، عن شعور متزايد بالاحباط . وأزعم أن الخطر على هذا الصعيد ، مقلق ، وربما أكثر مما يظن كثيرون منا. أيضا فإن الخطر نابع من أن هذه القوى تبث في الناس ثقافة الموت ، لا حب الحيــاة ، وهي تشعل بشكل أو بآخر نار التناحر الطائفي ، وهو تناحر عميق في هذه المنطقة . وإذا إشتعلت النار فيه ، فإنها لن تخمد بسهولة .
حضرات الكرام ،
المنطقة تمر بمخاض وتحول جذري وتاريخي ، ستقرر على أساسه مصائر دول وأنظمة ، وتغيرت التحالفات أو العداوات القديمة ، وظهر هذا خاصة في الخليج العربي وبين الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول عربية أخرى . وهي دول ومناطق حيوية للكيان والنظام الأردني . والأردن يقع في قلب المشرق العربي ، والسوار الملتهب يحيط بنا ، وهو معرض لكل تلك التداعيات والتفاعلات . المجتمع الأردني قلق للغاية من هول ما يرى في المحيط والجوار ويشعر بالخطر على آمنه وإستقراره وعلى مستقبل أبنائه ، وحتى على كينونته ، ولــه الحق في أن يقلــــق ، ولـــه الحق في أن يبدي الرأي فيما يتعلق بوطنه وبشؤونه . فنحن جميعا مواطنين منتمين لبلدنا ، ونحن شركاء نحرص على سلامته ونرفض أي مساس بها من جانب أي كان . ونرى الخطر الكامن في الداخل ، ويتقدم علينا من الخارج . وسوف تستثمر الجماعات الإسلامية المتطرفة الوضع الداخلي الصعب والقلق لإغراضها .
الحضور الكرام ،
لقد تم تشخيص الحالة والوضع الداخلي بشكل عام . وهناك اتفاق شبه كامل على هذا التشخيص . وحديث جلالة الملك في لقائه مع المجلس الاقتصادي الإجتماعي أول أمس الخميس 21/8 عدا عن مناسبات كثيرة اخرى ، أكد فيها على هذا التوافق في التشخيص ، إضافة إلى أن الأوراق النقاشية الأربعة التي غطت كل مرافق الحياة الأردنية . هي تشخيص جيد وخطط مستقبلية واضحة .
إذن ما هو الحل ؟ وما يجب علينا أن نفعل ؟
أولا : يجب أن تكون لدينا الجرأة والشجاعة لنعترف بوجود هذه المشاكل وهذا الوضع . وأن لا نختبىء وراء تفسيرات أو تبريرات سطحية . فالجميع يعرف حقائق الأمور . ويجب أن نقر بأن عملا إصلاحيا شاملا يجب أن يتـــم تبنيه ، وان تكون هناك الإرادة السياسية لدعم هذا التوجه بل لقيادته . ويجب أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع .
أنا لا أدعي أن لدي مشروعا كاملا لهذه الأمور ، ولا أظن أن أحدا بإستطاعته أن يقدم خطة أو برنامجا متكاملا يغطي كل هذه المسائل . ولكن هناك من له القدرة على التشخيص وتحديد الرؤى والأولويات . وهناك الخبراء والمختصين الذين يصوغون ذلك في برنامج عمل موحد وخطة إستراتيجية تشمل كل مرافق الدولة . نعم ، هناك حل وهناك إجابات .
إن اللجــان الملكية التي تم تأليفها وخرجت بوثائق وخطط فاعلة ومفيدة ، لم تحظى بالموافقة الحكومية . وأذكر هنا على سبيل المثال لجنة الأجندة الوطنية ثم لجنة الحوار الوطني . وقدمت كل لجنة وثيقة شاملة للإصلاح المتوازن والمتدرج . وحظيت وثيقة الحوار الوطني على تأييد واسع النطاق في كالة المحافل السياسية الإردنية . وللأسف فإن كل مخرجات وتوصيات هذه اللجان الملكية وضعت على الرف .
العامل الجديد في هذه الأفكار ، هو أن الإصلاح المطلوب لم يعد مقتصرا على التعامل مع مؤسسة أو قطاع أو قانون ، أي بما يشبه الإصلاح بالقطعة . المطلوب الآن نظرة وخطط إستراتيجية تشمل كل قضايا الأردنيين ولتحقيق مفهوم الثورة البيضاء الذي يرعاه جلالة الملك . ويمكن بلورة أفكار محددة أكثر في الأيام القادمة . نحن نريد أن تكون الثورة البيضاء العتيدة بداية لمرحلة أو حقبة جديدة من حكم الملك عبد الله الثاني ، وإنسجاما مع ما ينادي به السير المدروس والأكيد نحو الملكية الدستورية . فهذا الشعار والهدف السامي يجب أن يسبقه تحفيز وتجهيز التربة والبنية التحتية للمؤسسات الدستورية ، وأن تكون سيدة نفسها وأن تكون ركائز الديموقراطية مثل الأحزاب وقانون الإنتخاب قد ترسخت وأخذت مكانا ، وان تعود للدولة هيبتها وأن تسري القوانين على الجميع بعد أن تتحقق العدالة .
وشكرا لكم .
طاهر المصري