التَنمُّر السياسي وأخلاق الأردنيين واستقلالهم

مقالات نشر: 2019-06-02 16:33 آخر تحديث: 2019-06-02 16:33
كتابة: فارس بريزات
فارس بريزات

لا تسمح أخلاق الأردنيين “بالتنمُر” أيا كان شكله ومضمونه ومن أي كان لأن أخلاقهم مبنية على قيم تأصيلية مثل الفروسية والنبل والشهامة والكرم والنخوة والاحترام والتقدير والتكاتف و”إغاثة الملهوف”. ولكل هذه القيم استثناءات يمارسها أشخاص يعيشون بيننا. وهذه القيم هي أعمدة رأس المال الاجتماعي التكافلي الذي يحافظ على اللحمة الاجتماعية سواء في الحياة المدينية ومدنيتها أو الحياة الريفية وتحولاتها. 
ولذلك تتبنى الدولة برامج “تربوية” وتعليمية لمواجهة ظاهرة التنمّر لأنها غير مقبولة ومرفوضة إنسانياً وأخلاقياً وقيمياً، تماشياً من ثقافة الأغلبية الكبرى من أفراد مجتمعنا الأردني الكريم. ولم تدخل جميع الاستثناءات المتنمّرة برامج تربوية تتعرف من خلالها على القيم الأردنية نظراً لاغترابهم وغربتهم. لذلك تجد حالات نشاز من التنمر السياسي والاجتماعي والاستقواء والتسلط تطفو على السطح بين الفينة والأخرى وسرعان ما تتلاشى ظاهرتها بتصدي الأردنيين لها.
وعندما يستغل أي سياسي، سواء كان مُعينا أم منتخبا، موقعه “بالتنمر” على الآخرين سواء كان التنمر بالاستقواء او بالإيذاء المعنوي مثل الطعن بالناس واغتيال الشخصية أو الإيذاء المادي أو غيره، فإن الواجب الأخلاقي الوطني والإنساني يتطلب كشف ذلك التنمر والاستقواء بشكل واضح وجليّ حفاظاً على صورة العرش ومكانة جلالة الملك والعائلة المالكة واحترام الديوان الملكي الهاشمي العامر وسمعة مؤسسات الدولة التي بناها الأردنيون تراكميا بكرامة على مر 73 عاما من الاستقلال بالجهد والعرق والدماء.
ويتطلب الواجب الوطني والاخلاقي ليس فقط الاعتراف والإشادة بالانجازات التي تشكل لنا، مع قيمنا البنّاءة، مصدر أمان واستقرار وفخر، وإنما أيضاً، التأشير على أماكن الخلل في المؤسسات العامة التي يدفع الأردنيون كلفتها المالية من ضرائبهم وصبرهم وحمايتها من الاستغلال والاساءة صوناً للعدالة والحفاظ على كرامات الناس من التسلط والظلم الذي يمارسه البعض بسبب جهلهم بالأردنيين. هذا الجهل القائم على تصورات استشراقية عن المجتمع الأردني الطيب النبيل الذي ينتخي بطبعه نصرة للحق ولإغاثة الملهوف.
إن الحصافة السياسية تقتضي ألا يتنمّر خادم المواطنين سواء كان دولة او معالي او عطوفة او سعادة او مستشارا، أو من هم دون ذلك مرتبةً في سلم “الخدمة” العامة أو في المعارضة الايديولوجية او البرامجية، على أي مواطن أو وسيلة إعلام أو مؤسسة عامة أو خاصة ويختطفها لمصالحه الخاصة والضيقة كما حصل في عدة حالات وانتهت في غياهب الجب وأخرى في طريقها لتلك النهاية. ويجب أن يحرص “الخادم العام” ويتذكر ان الحفاظ على ما تبقى من احترام للموقع العام يتطلب أن يكون الموظف العام، خادم المواطنين، نموذجا للحصافة السياسة والرصانة الأدبية ويُحتذى في الأخلاق والتصرفات وتُردَد من خلفه الكلمات البنَاءة ومنصفا وعادلا في المعاملات. وهذه الأخيرة تعني فيما تعني “الشفافية” في كل شيء يتعلق بالخدمة العامة المدفوعة من بيت مال المواطنين.
التسلط على الناس والتجبر بهم واضطهادهم لم يكن يوماً من شيم الأردنيين ودولتهم المتسامحة ولم يكن يوماً مصدر قوة أو نابعا من معرفة بالناس وأطباعهم الخيّرة، وإنما على العكس فهو تعبير عن الضعف الناتج عن الجهل بالمجتمع بسبب الاغتراب الجغرافي والثقافي عنه وعن منظومة قيمه التي بُنيت على أخلاق النبل والشهامة والكرم والنخوة برغم الفقر والعوز. الجهل هو الذي يقود الى التنمُر والتسلط والاضطهاد. المُّطمئِن هو أن الجهلة قلة واستثناء والخيرين من الأردنيين كثرة.