تعبيرية
غوغل وأمازون.. المحتوى المرئي بوجهه الجديد
تسعى شركة آبل -حسب آخر التقارير- إلى إطلاق خدمتها الخاصة ببث المحتوى عبر الإنترنت؛ فبالإضافة لإنتاج محتواها الخاص، ترغب -أيضا- في التعاقد مع مجموعة كبيرة من شبكات البث الشهيرة؛ لتوفير حزمة من القنوات باشتراك شهري [١]. في المقابل، توفر أمازون خدمتها لبث المحتوى عبر الطلب، وهي خدمة تعرف باسم أمازون برايم التي ترغب آبل بالسير على خطاها.
وإلى جانب كل من آبل وأمازون، أطلقت غوغل خدمتها الجديدة -كذلك- والتي حملت اسم يوتيوب تي في، والتي تسمح للمستخدم بمشاهدة البرامج التلفزيونية بطريقة جديدة عبر تطبيق خاص، وباشتراك شهري أيضا [٢].
قد يبدو ذلك جشعا بالنسبة للبعض، فما دخل آبل أو أمازون في مجال التلفاز أو بث المحتوى؟ حتى امتلاك غوغل لمنصة يوتيوب لبث الفيديو لا يعني أبدا أنها مؤهلة رسميا لاختراق عالم البث التلفزيوني؛ لكن هذه الشركات أو نماذجها -إن صح التعبير- هي الأمثل لحل مشاكل بث المحتوى عبر الإنترنت. أو بمعنى آخر، ما تقوم به هذه الشركات ليس اختراعا للذرة، بقدر ما هو تكرار لنموذج عاصرناه في عالم البث التلفزيوني التقليدي.
كانت عملية صناعة وإنتاج المحتوى -قبل ظهور الإنترنت وموقع يوتيوب- عملية معقدة بعض الشيء. فالإنتاج يحتاج إلى كاميرات احترافية، واستديوهات كذلك، إضافة إلى فريق عمل لتحرير تلك المقاطع ودمجها للخروج بالمحتوى المطلوب. وبالفعل، توفرت شركات إنتاج كبيرة كانت قادرة على الاستثمار في المواهب الجديدة أو الأفكار الغريبة لتنفيذها وبيعها لإحدى القنوات التلفزيونية لتحقيق عائد مادي؛ لكن كل هذا كان في عالم الغيب؛ أي أن نجاح المحتوى بعد إنتاجه وصرف الأموال عليه من الأمور التي لا يمكن التكهن بها إلا من قبل أحد عرابي الإنتاج.
لهذا السبب، بدأت شركات الإنتاج الخاصة بالانحسار نوعا ما مقابل توجه القنوات التلفزيونية نحو افتتاح استديوهاتها الخاصة، أو أقسامها الخاصة لإنتاج المحتوى، وهو نموذج خفض من تكلفة الإنتاج بشكل أو بآخر، وأدى إلى إنتاج محتوى كبير جدا ومتنوع. مع هذا التضخم بدأت نماذج جديدة لتحقيق الربح بالظهور، فتوفير القنوات ومحتواها مجانا أمر لم يعد مجد من الناحية المادية بالنسبة لتلك القنوات، وبالتالي أصبح المشاهد مضطرا لدفع اشتراك شهري والحصول على جهاز استقبال (ريسيفر) خاص.
الكل في ذلك النموذج كان رابحا، فشركة الإنتاج -رفقة القناة- كانت ضامنة بشكل أو بآخر للحصول على عائد مادي، حالهم حال شبكة البث التي تبنت القناة ومحتواها. وفي نفس الوقت، كان المشاهد راضيا؛ لأن مستوى الإنتاج ارتفع، والمحتوى أصبح ذا قيمة؛ لأنه أصبح مدفوعا.
لكن؛ ولأن دوام الحال من المحال، قررت تلك القنوات التحرر من شبكات البث لإنشاء شبكاتها الخاصة، وبالتالي أصبح المشاهد بحاجة لشراء جهاز استقبال خاص بكل شبكة تقريبا؛ لأن القناة الواحدة انقسمت إلى أكثر من قناة؛ فقناة "فراس" لم تعد واحدة تعرض كل شيء؛ بل انتقلت لتقديم "فراس ١" للرياضة، و"فراس٢" للأخبار، وهكذا، وبالتالي أصبح المشاهد بحاجة للاشتراك بشبكة "فراس" عوضا عن "شبكة التقنية العربية" التي كانت تضم قناة "فراس" الوحيدة.
ومع الوصول إلى تلك الحقبة، بدأت أهمية شبكة الإنترنت بالتزايد، وخصوصا مفهوم رفع الفيديو على اليوتيوب، وبالتالي تدخلت شركات كبيرة في شبكات البث التقليدية لجمع أكثر من شبكة تحت رايتها؛ فعند الاشتراك في "شبكة العائلة" ستحصل على جميع قنوات شبكة "فراس"؛ أي "فراس ١"، و"فراس٢"، مع جميع قنوات شبكة "عمر" أيضا.
عصر الإنترنت
تكرر نفس النموذج -تقريبا- في عصر الفيديو على الإنترنت؛ لكن البدايات كانت مختلفة بسبب سهولة إنتاج المحتوى على الشبكة العنكبوتية. المستخدم هنا بحاجة لهاتفه الذكي فقط؛ لتسجيل فيديو ومن ثم رفعه على الإنترنت ومشاركته على الشبكات الاجتماعية. وهنا يمكننا العودة لتطبيق "فاين" (Vine) من تويتر الذي فتح المجال أمام مجموعة كبيرة من الشباب لشق طريقهم نحو الشهرة قبل أن تتدخل شركات كبيرة لرعاية مواهبهم والحصول على محتواهم بشكل حصري.
ومع الانتشار الكبير للفيديو، بدأت الكثير من المواقع في توفير منصات لمشاركة الفيديو على غرار يوتيوب، لنحصل على محتوى هائل مكرر في الكثير من الأوقات، أو متشابه من ناحية الأفكار على الأقل.
النموذج الربحي الأول في نشر مقاطع الفيديو على الإنترنت تمثل في الإعلانات، وهنا رأت معظم القنوات التلفزيونية الشهيرة -أو حتى شركات إنتاج المحتوى- أن توفير محتواها على يوتيوب لا يفي بالغرض، فقررت تكرار يوتيوب وإنشاء آخر خاص بها. مثل هذا النموذج يسهل عمليا حياة المستخدم، فلمشاهدة محتوى القناة "س"، يمكن الدخول إلى موقعها الرسمي وتشغيله مباشرة بسهولة تامة.
إلى هنا نحن نتحدث عن المحتوى الرقمي الخاص بالقنوات، أو الخاص بالشباب، أو صانعي المحتوى، وهذا النموذج الأول. أما النموذج الثاني فهو شبكات البث الكبرى على غرار نت فليكس (Netflix) أو هولو (Hulu) التي تنتج -هي الأخرى- محتواها الخاص، وهو نموذج انضمت إليه مؤخرا شركات عملاقة على غرار "إتش بي أو" (HBO) أو "سي بي أس" (CBS) أو حتى أمازون برايم التي لعبت بذكاء أكبر من البقية.
قد يبدو تنظيم المحتوى السابق جميلا ومناسبا، فالمستخدم يختار شبكة البث المناسبة ويقوم بالاشتراك بها لمشاهدة المحتوى في أي وقت وباستخدام أي جهاز؛ لكننا عدنا من جديد لنفس المشكلة التي واجهناها سابقا في شبكات البث التقليدية.
تحتاج كمستخدم للاشتراك في نت فليكس لوحدها؛ لأن مسلسل كشف الجرائم يعرض عليها بشكل حصري، والاشتراك بشبكة "إتش بي أو" على حدة؛ لأن برنامج الأخبار التقنية يعرض يوميا عليها فقط.
ماذا لو كان برنامج السيارات المفضل يعرض على هولو؟ أنت بحاجة للاشتراك بها أيضا، وبالتالي تلك الشبكات التي جاءت لتنظيم المحتوى وتقديم الترفيه للمشاهد، حولت حياته إلى جحيم كبير جدا.
حلول ذكية
سلكت أمازون طريقا مختلفا تماما عن الطريق الذي سلكته نت فليكس وأبناء أعمامها، فهي تمتلك منصة سحابية تسمح لها بتوفير خدمة بث الفيديو بأفضل شكل ممكن دون الحاجة لبناء بنيتها التحتية من الصفر؛ لكنها اقتنصت فرصة عظيمة عندما قامت بتوفير المحتوى الخاص بها إلى جانب محتوى من شبكات محتوى كبيرة على غرار "إتش بي أو".
في نت فليكس، المستخدم محصور في المحتوى الخاص بها؛ لكن في أمازون برايم المستخدم بإمكانه الوصول إلى محتوى أمازون إلى جانب محتوى شبكات أخرى، وبالتالي أصبحت الفائدة مضاعفة.
آبل تنبهت إلى ذكاء أمازون؛ لكنها جادت بالموجود ورصدت مشكلة أكثر أهمية تتمثل في كثرة المحتوى وشبكات البث، ولهذا السبب قررت أولا إطلاق تطبيق "تي في" (TV) لأجهزتها الذكية المختلفة والذي يسمح للمستخدم بمعرفة جدول البث في بعض شبكات بث المحتوى، مع إمكانية اختيار أحد البرامج وتشغيله من التطبيق واستكمال مشاهدته على بقية الأجهزة.
لكن آبل وكعادتها، لا ترغب بأكل البيضة دون القشرة الخاصة بها، وبالتالي تدرس حاليا -بحسب شائعات- إمكانية إطلاق شبكتها الخاصة لبث المحتوى؛ بحيث تتعاقد مع شبكات بث على غرار الشبكات آنفة الذكر، بالإضافة إلى شبكات كبرى على غرار شوتايم أو ستارز (Starz)، وبالتالي يمكن للمستخدم لقاء مبلغ لا يتجاوز ٥٠ دولارا أميركيا الحصول على محتوى من معظم الشركات دون الحاجة للاشتراك في كل واحدة على حدة.
غوغل بدورها سبقت آبل وأطلقت تطبيق "يوتيوب تي في" الذي يجمع بدوره مجموعة كبيرة من شبكات بث المحتوى تحت مظلته؛ لكن توفره حاليا محصور داخل بعض الولايات في أميركا، على أن يصل في وقت لاحق لولايات ودول أخرى.
وبما أن الحديث عن غوغل؛ فإنه تجدر الإشارة إلى أنها مثلت بمفردها جميع مفاهيم المحتوى المرئي على الإنترنت، فهي عبر منصة يوتيوب كانت مثالا لمنصة بث المحتوى التي تحقق أرباحا عبر الإعلانات؛ لتنتقل بعدها لإنتاج محتواها الخاص عبر يوتيوب ريد (YoutubeRed) الذي يمكن اعتباره مثل نت فليكس؛ أي شبكة لإنتاج المحتوى وتوفيره لقاء اشتراكات شهرية.
وأخيرا قامت بالإعلان عن يوتيوب تي في؛ لأنه النموذج الأمثل من وجهة نظرها، ومن وجهة نظر عمالقة تقنية على غرار آمازون وآبل.
البنية التحتية
شركات مثل غوغل، وأمازون، وحتى آبل، تمتلك بنى تحتية تسمح لها بالتفكير في خدمات بث الفيديو حسب الطلب عبر الإنترنت؛ خصوصا أمازون وغوغل اللتين تديران أكبر منصات للتخزين السحابي على مستوى العالم.
لكن الشركات الثلاث السابقة تتميز -أيضا- بامتلاكها لمجموعة من الأجهزة الذكية التي يمكن اعتبارها الوسيط لعرض المحتوى؛ فشركة غوغل تمتلك جهاز كروم كاست (Chromecast) الذي يقوم بتحويل أي تلفاز عاد إلى ذكي مع متجر للتطبيقات، مثلما هو الحال في أجهزة آبل تي في وأجهزة "فاير تي في" من شركة أمازون.
وبعيدا عن تلك الأجهزة، يجب عدم تجاهل الحواسب اللوحية، والهواتف الذكية المتميزة التي توفرها تلك الشركات نفسها، وبالتالي يمكن للمستخدم من نفس الجهاز أن يحصل على حزمة واحدة لمشاهدة القنوات بسهولة تامة.
الغلبة في هذا المجال ليست مكتوبة لا باسم أمازون ولا حتى باسم غوغل؛ على اعتبار أنها كانت السباقة في توفير مجموعة كبيرة من شبكات بث المحتوى لقاء اشتراك شهري؛ لكنها ستكون من نصيب أي شركة تنجح في تجميع محتوى أكثر من شبكة بث تحت مظلتها؛ لأن السوق يسير في هذا الاتجاه.
وإن لم يأخذ هذا الاتجاه في الوقت الراهن، فهو يجب أن يسلكه أسوة بشبكات البث التلفزيوني التقليدية أولا، وبمنطقية هذا الحل ثانيا، فما الفائدة من اقتناء المشاهد لأكثر من جهاز استقبال، أو لتحميل أكثر من تطبيق ودفع اشتراكات شهرية في أكثر من شبكة؟
إن جزءا كبيرا من مهام شركات -بحجم غوغل أو أمازون في الحياة- قائم على فكرة البحث عن المشاكل لمحاولة حلها، وتقديم منتجات تساعد المستخدم. بكل تأكيد لا يمكن إهمال النموذج الربحي؛ لأنها (أي الشركات) لن تستمر في العطاء دون وجود دخل مالي كبير لها.
وهنا يمكن اقتباس حديث ستيف وزنياك (SteveWozniak) -الشريك المؤسس لشركة آبل- الذي قال مؤخرا: "إن فرصة بقاء شركات بحجم آبل وفيسبوك وغوغل في السوق حتى عام ٢٠٧٥ كبيرة جدا بسبب السيولة النقدية التي تمتلكها والتي تؤهلها للاستثمار في أي مجال ترغب فيه".
وما شبكات البث عند الطلب سوى مجال آخر تستثمر به تلك الشركات.