الجدل المحتدم في ما يخص تعديلات نظام الأبنية والمنطلقات التي يجب الاتفاق عليها

مقالات نشر: 2018-09-27 19:25 آخر تحديث: 2018-09-27 19:25
كتابة: م. عامر البشير
م. عامر البشير

أُشارك كثيرين رغبتهم اقتناص فرصةَ توجّهات الحكومة بتعديلِ نظام الأبنية في كلٍّ من البلديات وأمانة عمّان، بالأخص توجيهات دولة رئيس الوزراء لعملِ تعديلاتٍ على أنظمة البناء، وتصريحات معالي وزير البلديات، تُثلجُ الصدر اذا ما اقترنت مع صدقِ النوايا والرغبة في أنْ تعكسَ التعديلاتُ المُستهدفة طموحاتِ وأهداف كلَّ أطرافِ العلاقةِ من مُخططين ومُنظمين ومُؤسسات مُجتمعٍ مدني، ومن جمعيةِ مُستثمرين في قطاعِ الاسكان وهيئة المكاتب الهندسية، وجمعية المستشفيات الخاصة، وغرف الصناعة وغرف التجارة، وصولاً إلى صيغةٍ تحفظُ التوازنَ بين الجوانبِ الاستثمارية، وجوانب تخطيطية مُنطلقها دافعٌ أخلاقي مسؤول؛ للحفاظِ على خصوصيةِ المناطقِ السكنيةِ المُستقرة، وحقوقِ سكانها المُكتسبة. 

       قطاعا الإنشاءات والتطوير العقاري يُعانيان من حالةِ ركود، وقد خيّمَ ذلك بظلالِهِ على مؤشراتِ النموّ، وانكماشٍ في النشاطِ الاقتصادي للقطاعاتِ العقارية والإنشائية، وتراجعٍ في حجمِ المساحات المرخّصة، مقارنةً مع الأعوامِ السابقة، وأثّر ذلك على نشاطِ شركاتِ الاسكان والمكاتب الهندسية على السواء، ولا تخفى رغبةُ الطرفين بتفعيل معادلةِ التكثيف العمراني، ولكن مع الإختلاف أنَّ جمعيةَ المُستثمرين في قطاعِ الإسكان مع منحِ طوابقٍ إضافيةٍ لمشاريعِ السّكن، بدون ضوابطٍ وبدون شروطٍ وفي المناطقِ المستقرةِ أو المُنظمةِ قديماً على السواء، فيما يخالفُ قناعة رئيس هيئة المكاتبِ الهندسية بضرورة حصرها بالمناطقِ الجديدة التي دخلت التنظيمَ حديثاً، مع تمسّكه بآلياتٍ وشروطٍ واجبٌ توفّرها؛ من أجلِ منحِ طوابقٍ إضافيةٍ للمشاريعِ الإسكانية، ويشتركُ بالهدف مع جمعيةِ المُستثمرين بأهمية التكثيف العمراني، ولكن من منطلقٍ يُحقّقُ قيمةً مُضافةً للمدينةِ وللمجتمعات المحلّية ، ويستندُ إلى معيارٍ حسَّاسٍ لا يقبلُ بغيره المُخططون والمنظمون، بحصر منحِه خارجَ المُغلفات الحضرية، وخارجَ قصبة المدينة؛ حفاظاً على خصوصيةِ هذه المُغلفات، ولا بدّ من تدخلنا لتقريب وجهات النظر  وتذليل الصعوبات التي تواجهُ كلاًّ من الطرفين، أُلخّصُ المُنطلقات الواجبِ توفّرها للوصول إلى مُخرجاتٍ تُرضي جميعَ الأطراف، بالآتي: 

  • لا تكثيفَ عمرانيّ بدونِ منظومةٍ للنقلِ الحضرّي، ويجبُ اختيارُ مسارِ خطوطِ النقلِ الجماعي والحضري والخطوط المُغذيةِ له، قبلَ تحديدِ مناطقِ التكثيفِ العمراني وبعد عملِ دراسةٍ معمّقة، والمُفترضُ أن تُشرّعَ مناطقُ التكثيفِ العمراني على شكلِ شريطٍ بحرمِ مسارِ خطوطِ النقلِ العام بعمقِ 200 م على جانبي مسارِ هذه الخطوط ابتداءً.
  • الاحتكامُ إلى المُخطط الشمولي والمناطق المسموح التكثيفُ العمراني فيها وربطها بال، Zoning فلست

 مع الوصفاتِ العامّة مسبقة الإسقاط ، فمدينةُ عمّان وباقي بلديات المملكة لها خصوصيتها، فالذي يُمكنُ أن يكونَ حلاً مِثالياً في مدينةٍ، قد لا يكونُ مِثالياً في مدينةٍ أخرى، وتنطبقُ هذهِ المُعادلةُ أيضاً في المناطقِ والأحياء، وما ينطبقُ على قصبةِ المدينةِ لا ينطبقُ على ضواحيها أو في المناطقِ المُستقرّةِ وحديثةِ التنظيم، ولم يُباشر فيها أيّ عمران، ونجدُ أنه من الصعبِ إيجادُ صيغٍ وتوليفاتٍ عامة، فمثلاً الوحداتُ الإفرازيةُ لبعضِ تصنيفاتِ السكن حسب الوضع الحالي، بالكاد يمكنُ تأمينُ مواقف للسيارات فيها ولا تكفي للكثافةِ الحالية، ويستحيلُ تأمينُ مواقفٍ إضافيةٍ إذا تمّ رفعُ الكثافةِ عن النسبة المعمولِ بها حالياً، الذي يُسهلُ تحقيقَهُ في مناطقِ التنظيمِ الجديد، من خلالِ تعديلِ مساحاتِ الوحدات الإفرازية؛ لتتناسبَ مع الكثافةِ المطلوبة، الذي يُعيدُنا لقاعدةِ ربطِ سياساتِ التكثيفِ العمراني بالمُخططات الشمولية، التي تتكاملُ فيما بينها بشكلٍ مُعمّقٍ وشمولي. 

  • كما أنني لستُ مع المعيارِ الذي يربطُ التكثيفَ العمراني مع سعةِ شوارعٍ بعموميّة مثلاً بالشوارعِ التي سعتها 14 أو 20 أو 30 م، اعتبرهُ قفزةً في المجهول، وسيتركُ آثاراً وخيمةً على مُستقبلِ مُدنِنا الحضري واستدامتِها، وسيُحمِّلُ الجهاتَ التخطيطيةِ والمروريةِ أعباءً فوق الأعباءِ التي يُعانونَ منها. ولا أجدُ مرحلياً سوى خَياراً واحداً؛ وهو اختيارُ مِحورٍ مُحددٍ يتمُّ منحهُ أحكامَ تكثيفٍ عمراني أو في زيادة النسبةِ المئوية، أو طابق أو طوابق خارج المناطق المُستقرّة حضرياً، بعد إجراء دراسةٍ مُستفيضةٍ عليها، شريطةَ أن يكونَ قد دُرسَ مسارُ النقلِ العام فيه مع باقي الدراسات بشكلٍ يوفّرُ فرصَ نجاحٍ للتجربة، وبعدها يتمُّ فتحُ محاورَ للتكثيفِ على التوالي، وليس على التوازي، بحيث لن يتمُّ إرهاقُ قطاعِ العملِ البلدي ومقدمي خدماتِ البُنيةِ التحتية من ماءٍ وكهرباءٍ وطرق. 

       أيُّ مبالغٍ سيتمُّ فرضُها على قطعِ الأراضي كعوائد تنظيم التي ستقعُ ضمنَ محاور التكثيفِ العمراني، يجب أن تأخذَ بالاعتبار كلفةَ إنشاءِ البُنية التحتية لمنظومةِ النقل الحضري، ويجبُ معالجةُ ذلك بالتشريعات الناظمة، وعلى أن يتَّم تخصيصُ هَذهِ المبالغ  لصالحِ صندوقِ دعم الركاب، ولا أجدُ أكثرَ من النقل العام وتحسين بيئةِ المشاة من أرصفةٍ وممراتٍ وجسور، ونظام فرش الشوارع، أولى وأكثرَ مشروعيةٍ وأحقُّ من نظامِ النقل الذي سيرتقي بالمُحتوى الحضرّي للمدن، الذي كانَ وما زالَ حلماً يراودنا ولا أخفيكم قناعتي أننا أصبحنا على بُعد خطوات من الاتفاق على رؤيةٍ مشتركة ومُحددةٍ بخصوصهِ مع الحكومةِ الحالية. 

       وأخيراً أؤكدُ أنه لا تعارض بين أطراف العلاقة، وإنما اختلافٌ بالمُنطلقات وأحياناً توّجهات الساسة والمُخططين مع مصالح قطاعات استثمارية وتطويرية مثل جمعية المستثمرين في طلبها منح حوافز خارج معادلات النسبة المئوية لتحفيز إنشاء البرندات ومساحات خضراء ضمن تعليمات محددة أتّفقُ معهم فيها؛ لما له من قيمةٍ مُضافةٍ في إطلاقِ إمكانيات المعماريين في معالجة الواجهات، وتحسين البيئةِ المعماريةِ والخضراء للمُدن، وأيضاً في مطالباتها بطابقِ الرووف، بنسبةٍ لا تتجاوز 25% من مساحةِ الطابق الذي سيقام عليه، والذي سينعكسُ إيجاباً على تحسينِ الواجهةِ الخامسةِ للأبنية، وكقيمةٍ مضافةٍ للمدن، ضمن المُغلفات الحضرية للعاصمةِ وباقي محافظات المملكة.