مكاتب سياحة تتخلص من موظفيها بـ"أمر دفاع"

الأردن
نشر: 2022-01-17 15:31 آخر تحديث: 2022-01-17 15:31
مكاتب فارغة
مكاتب فارغة

بعد سبعة أشهر من التعطل عن العمل بفعل جائحة كورونا، لملم محمد وزوجته ذكريات منزلهما الذي أمضيا فيه 15 عاماً وغادراه مرغمين مع أبنائهما الثلاثة بعد أن صرفا جميع مدخراتهما في نهاية العام الأول من الجائحة. 


اقرأ أيضاً : الأغوار الجنوبية : وقفة احتجاجية لعاملين في إحدى الشركات للمطالبة بصرف رواتبهم


انهيار قطاع السياحة بسبب الإغلاقات العالمية ترك محمد على الرصيف في بلد شهد تسريح قرابة 140 ألف عامل وعاملة، وانحسار إيراداته السياحية إلى الربع من 4.1 مليارات دينار (5.7 مليارات دولار) في 2019 إلى مليار دينار (1.4 مليار دولار) في العام التالي، وفق تحقيق لشبكة "أريج".

حين حلت " الفاجعة" كان الأربعيني محمد يصعد سلم الترقية في مكتب سياحي بعمان منذ تخرج في كلية اللغات/ جامعة اليرموك عام 2005. متسلحا باللغات الفرنسية، والإيطالية، والإنجليزية، ترقى محمد إلى منصب مدير العمليات اللوجستية بدخل 1000 دينار شهريا (1400 دولار)، صعودا من 300 دينار (420 دولار) بداية حياته المهنية.

نقطة التحول

في منتصف حزيران/ يونيو 2020، قرر أصحاب العمل الاستغناء عن 13 موظفا، من بينهم محمد، وإيقاف عمل المنشأة لدى وزارة العمل بسبب تراكم الديون وعدم قدرتهم على جمع مستحقاتهم في السوق التي أُغلقت بفعل أوامر الدفاع لمدة شهرين في ربيع 2020؛ ذروة الموسم السياحي. 

تلقى المسرحون راتب شهرين مقدما وتُركوا لمواجهة أعباء الحياة.

"مخاجلة"، هكذا يبرر محمد سبب توقيعه على استقالته. أما زميله عمر الذي عمل معه مدة 12 عاماً، فيرجع قبوله الاستقالة إلى "الثقة المتبادلة" بينه وبين أصحاب العمل.

قصة محمد وزملائه تكررت أيضا مع يزن الذي يعمل في مكتب سياحي منذ حصوله على بكالوريوس في الإرشاد السياحي عام 2004.

في 2015، انتقل يزن للعمل في مكتب سياحي بموجب عقد مفتوح، قبل أن يطلب المكتب من وزارة العمل إيقاف عمله وإنهاء عقود العاملين لديه -مايقارب 25 موظفاً-، بالاستناد إلى أوامر الدفاع.

تحايل بالقانون

تبين ليزن وزملائه بأن المكتب ظل يعمل، فاشتكوا إدارته لدى وزارة العمل، التي أرسلت فريق تفتيش للشركة ليجد بأن موظفي التحصيل فقط من يعملون حاليا و"لفترة قصيرة"، وفق تبرير أصحاب المكتب. وبالتالي أغلقت الشكوى على غرار عشرات الشكاوى المماثلة.

بين آذار/مارس 2020 و تموز/ يوليو 2021، تقدمت 136 منشأة سياحية بطلبات إيقاف العمل. 89 منها استأنفت أنشطتها في ضوء انفراج جزئي في القطاع، وظلت 47 منشأة تحت الإيقاف.

استثناءات إيقاف العمل في المنشأة.. غير قانوني

يجب أن تقدم الشركة طلبا إلكترونيا في موقع وزارة العمل، يتجدد كل شهرين في حال الرغبة باستمرار الإيقاف.

على وقع التسريح، تلقت وزارة العمل 10,452 شكوى من عمال في القطاع السياحي بين حزيران/ يونيو 2020 وحتى حزيران/ يونيو 2021. من بينها 4913 شكوى في المطاعم، والنقل السياحي، والفنادق.

يساهم القطاع السياحي بنسبة 13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بدخل 4.1 مليار دينار أردني (5.78 مليار دولار أمريكي) للعام 2019، ويشغل ما يزيد عن 53 ألف عامل على نحو مباشر، و11 قطاعا تجاريا مساندا، كالفنادق، والمطاعم، والنقل السياحي، ومحلات التحف.

استثناءات غير قانونية

في مقابلات مع 20 موظفا في ثلاث منشآت سياحية، وجدنا أن إنهاء العقود محددة المدة لم يشمل مديري الأقسام والعاملين في قسم المحاسبة والتحصيل.

المحامي معاذ المومني المختص في قضايا العمال يجادل بأن "أوامر الدفاع لم تنص على مثل هذه الاستثناءات؛ إذ أن الإيقاف يجب أن يشمل جميع الموظفين، وأي إجراء عكس ذلك يعد غير قانوني". ويؤكد المومني: "يجب على أوامر الدفاع توضيح ماهية الإجراءات والقوانين المترتبة على المنشأة المقدمة على طلب إيقاف عمل، وإضافة استثناءات ليتمكن أصحاب المنشآت من تحصيل أموالهم من مختلف الأطراف وإجراء المخالصات للمنشأة".

مؤسسات الدولة المختلفة لم تتطرق لوجود أي استثناءات في أمر الدفاع لآلية إيقاف العمل، ما اضطر الشركات لاستمرار عملها في قسم المحاسبة والتحصيل بشكل مخالف لأوامر الدفاع الملزمة لوقف العمل بصورة كلية.

تداخل الصلاحيات وضبابيتها

مدير وحدة المركز الإعلامي للمركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات أحمد النعيمات، أوضح أن "الجهة التي تصدر أوامر الدفاع هي دولة رئيس الوزراء بصفته الموصوفة في الدستور، وهي السلطة التنفيذية المعنية الموضوع". من جانبها، أحالت وحدة الإعلام في رئاسة الوزراء تساؤلاتنا لوزارة العمل، بصفتها معنية بالتصريح عن أمر الدفاع الخاص بعقود العمل.

أنشئ المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات لتوحيد جهود المؤسسات الوطنية ذات العلاقة بغية الوصول الى الاحترافية في مجالي الاستعداد والاستجابة للأزمات الوطنية –بنوعيها الطبيعية والتي من صنع الإنسان– بأقل جهد ووقت وتكلفة وخسائر ممكنة. وأصبح نظامه فاعلا اعتبارا من نيسان/ أبريل 2015.


اقرأ أيضاً : الأزرق: توجيه 5 مخالفات لمنشآت لم تلتزم بأوامر الدفاع


وزارة العمل ردت بأن المنشآت الحاصلة على موافقة لجنة الإيقاف "تخضع لحجز تحفظي على رصيدها لدى البنوك وتمنع من السحب أو التصرف طيلة فترة الإيقاف. كما تمنع من ممارسة أي أعمال فترة الإيقاف. ولم تحدد الوزارة عدد المخالفات التي وجهتها لمخالفي أوامر الدفاع، ولم تعلق على قصور الأوامر لجهة خلوها من استثناءات الإدارة المالية.

بناء على ذلك، يرى المحامي معاذ المومني أن هذا يعد "خطأ في أوامر الدفاع" سمح بوقوع هذه التجاوزات.

ويشرح المومني الفارق بين إيقاف العمل الكلي والمؤقت، لافتا إلى أن العلاقة تنتهي في الحالة الأولى بين العامل والمدير، بينما تبقى العلاقة قائمة في الثانية كما نص أمر الدفاع (رقم 6 في المادة الخامسة)، التي تقر أنه لا يلزم صاحب العمل بدفع أجر العامل خلال فترة الإيقاف. كما تنص على أن يتم التقدم بطلب للجنة مشتركة يشكلها كل من وزيري الصناعة و التجارة و التموين والعمل لإيقاف العمل في منشأته كلياً، ووقف عقود العمل لجميع العمال، وعلى صاحب العمل أن لا يتخذ أي إجراء إلا بعد الحصول على موافقة تلك اللجنة.

رئاسة الوزراء ترفض التعليق على تشخيص المومني أو الرد على أي استفسار، مشيرة إلى أن تطبيق أوامر الدفاع منوط بوزارة العمل ومركز إدارة الأزمات.

من جانبها تفيد وزارة العمل بأنها أحالت الموضوع إلى إدارة الضمان الاجتماعي، ودعت العاملين إلى التوجه للضمان، من أجل نيل بدل تعطل عن الضرر الذي وقع عليهم بعد إيقاف مؤسساتهم عن العمل.

في ربيع 2020، أٌطلق الضمان برنامج "استدامة" الذي استفادت منه  849 منشأة  و 17246 عاملا، بما قيمته  15 مليون و657 ألف دينار.

كما أطلقت المؤسسة برنامجا لدعم العاملين في قطاع السياحة، يعطي العامل المؤمن عليه أجرا شهريا يشكل 50 في المئة من أجره الحقيقي بما لا يزيد عن 400 دينار، ولا يقل عن 220 دينار، على أن تسهم المنشأة بخُمس المخصصات الطارئة. استفاد من هذا البرنامج 256 منشأة سياحية و5732 عاملا. ومجموع المبالغ التي صرفتها المؤسسة على هذا البرنامج وصل 3.8 دينار.

وأوضح شامان المجالي الناطق باسم الضمان أن هذه المبالغ ليست منحة لهذه المنشآت وإنما دين عليها بفائدة 3 في المئة تتحملها الحكومة.

دانا ( 33 عاما) عملت في القطاع السياحي بين 2007 وتاريخ تسريحها القسري أواخر 2020. قبل الجائحة بأربعة أشهر وقعت دانا عقدا مفتوحا كمستشارة تطوير أعمال براتب 1500 دينار . لكن مع بداية الجائحة، فرضت الشركة على جميع موظفيها الـ20 توقيع عقود جديدة محددة المدة لنهاية 2020. هذا الإجراء يتعارض مع أمر الدفاع بحسب المحامي معاذ المومني. وفوق ذلك، لم يدفع المكتب الرواتب التي نصت عليها قوانين الدفاع في شهري آذار/ مارس ونيسان/ أبريل لعدم توفر السيولة.

المحامي المومني يرى في إجراء الشركة مخالفة لأمر الدفاع. "أي إجراء آخر يكون غير قانوني ومخالف لأوامر الدفاع والبلاغات الصادرة عنه"، هكذا يشخص المومني الحالات التي رصدتها معدة التحقيق حول إنهاء عقود محددة المدة تعسفياً. ذلك أن البلاغ (7) من أمر الدفاع (رقم (6 المادة 4) تنص على: "يتم تجديد عقد العمل محدد المدة للعامل الأردني تلقائياً بموجب هذا البلاغ وحتى تاريخ انتهاء العمل بقانون الدفاع ما لم يتم الاتفاق على تمديده مدة أطول".

نص المادة 4 يتم تجديد عقد العمل محدد المدة للعامل الأردني تلقائيا بموجب هذا البلاغ وحتى تاريخ انتهاء العمل بقانون الدفاع ما لم يتم الاتفاق على تجديده مدة أطول وفقا للشروط التالية:

1- أن يكون العقد قد انتهت مدته بتاريخ 30/4/2020 وما بعده .

2- أن يكون العقد قد سبق أن تم تجديده ثلاث مرات فأكثر.

سليم* الذي يملك مكتب سياحة وافدة وحجوزات تذاكر يقول إنه اضطر في آب/ أغسطس 2020 لإغلاق مكتبه بعد الاتفاق مع الموظفين على تقديم استقالتهم على أمل عودتهم للعمل فور تحسن الأوضاع. يرجع سليم سبب الإغلاق إلى غياب دعم الحكومة لأصحاب مكاتب السياحة، فضلا عن تكرار تقلبها في اتخاذ القرارات، ما أربك أصحاب المكاتب ودفعهم صوب خيار الإغلاق.

سليم لم يقدم طلب إيقاف إلى وزارة العمل، واكتفى بشرح وضعه العام لموظفيه الثمانية، الذين لم يعارضوا تقديم استقالاتهم بحسب أقواله: "الموظفين كانوا متفهمين أكثر من الحكومة، كلهم تفهموا الوضع وقدموا استقالتهم".

تحت وطأة الجائحة، فشل 307 مكاتب سياحية من بين 800 في تجديد تراخيصها حتى نيسان/ أبريل 2021. كان يعمل في هذه المكاتب المنتشرة في محافظات الأردن الاثنتي عشرة قرابة عشرة آلاف موظف/ة.

محمد وزملاؤه طلبوا من مديري المكتب إعادتهم للعمل أملا بإدراجهم مجددا في الضمان الاجتماعي ليتمكنوا من الاستفادة من برامج الإقراض حتى لو كانت الأجور منخفضة. وكما يقول محمد " قليل دائم خير من كثير منقطع".

البلاغ (رقم 18) صادر بالاستناد لأحكام أمر الدفاع (رقم 6 لسنة 2020)، حول تنظيم أجور العاملين في القطاع الخاص أمر بدفع 75 في المئة من الأجر الشهري -بين كانون الأول/ ديسمبر 2020 وأيار/ مايو 2021- في القطاعات والأنشطة الأكثر تضررا، على أن تشمل تلك النسبة أجور الإدارة العليا.

قروض بعيدة المنال وبرامج انتقائية

نائب رئيس جمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية جمال الضامن يشكو من أن "وزارة السياحة لم تقدم دعما مباشرا للمكاتب السياحية"، لافتا إلى أن الإسناد "اقتصر على إعلان وزيرة السياحة السابقة مجد الشويكة تمويلا بقيمة 30 مليون دينار من خلال إعفاء مالكي وممارسي المهن السياحية من رسوم تجديد التراخيص للعام الماضي". إلا أن الضامن يجادل بأن ذلك لم يتحقق. ويقول إن المكتب السياحي -الذي فقد جل دخله منذ 18 شهرا- يدفع قرابة 500 دينار رسوم تراخيص سنوياً، بالإضافة إلى 350 دينار رسوما لجمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية إلى جانب متوسط فاتورة رواتب بواقع 6000 دينار شهريا (8462 دولار) وتكاليف تشغيلية.

يقر الضامن بأن مكاتب سياحية استفادت من برامج البنك المركزي للقروض بسعر فائدة ثابت طيلة عمر التمويل. إلا أن معظم المكاتب الصغيرة والمتوسطة لم تقدم على هذه الخطوة، بسبب عدم وضوح الوضع الوبائي ومستقبل العمل في القطاع السياحي، أو وجود نقطة زمنية محددة لاستئناف العمل بوضعه الطبيعي السابق ليتمكن صاحب المكتب من تسديد دفعات القروض.

يزن لم يستفد من برنامج بدل التعطل إلا لشهر أيار/ مايو 2020 بقيمة 350 دينارا؛ لعدم توفر رصيد ادخاري في حساب اشتراك ضمانه الاجتماعي. لم يستلم أي دفعات أخرى منذ ذلك التاريخ وحتى بدء العمل على برنامج (مساند - 1) مطلع 2021. إذ استلم حتى تاريخ نشر هذا التحقيق ست دفعات بدءا من آذار/ مارس على النحو الآتي: 500 دينار لأول شهرين، ثم 350 دينارا لمدة أربعة أشهر متتالية.

دانا تتلقى اليوم عروضا للعمل في مكاتب سياحية، إلا أن الراتب المطروح لا يغطي مواصلاتها في ظل ازدحام شوارع عمان وأزمة المواصلات، بالإضافة لعدم توافر وسائل مواصلات عامة قريبة من منزلها.

أما محمد، فيعود إلى نقطة انطلاقه في محافظة إربد بجانب منزل عائلته، بعد أن قضى 10 أعوام وهو يسعى في سبيل تحقيق النجاح وزيادة أرباح المكتب السياحي الذي كان يعلق عليه آماله. وهو يعمل اليوم سائقا على التطبيقات الذكية لتأمين احتياجات أطفاله الأساسية.

وهو يتساءل اليوم إن كان قد أخطأ في وضع ثقته في غير محلها؟ أم هي غلطة تتحملها الحكومة لعدم مراقبة هذه التجاوزات والمحاسبة عليها؟ أم هي مسؤولية جمعية الوكلاء السياحيين في عدم نقل معاناة الموظفين وتحقيق العدل لهم؟ أم هو ظرف لم يكن في الحسبان غير قواعد اللعبة؟

أخبار ذات صلة

newsletter