في ذكرى تفجيرات الفنادق

مقالات
نشر: 2019-11-09 01:32 آخر تحديث: 2019-11-09 01:32
كتابة: بشار جرار
بشار جرار

 

لعب الرقمان تسعة وأحد عشر دورا في وصف اعتداءات التاسع من نوفمبر بأنه يوم دام مفصلي بمثابة اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر في أميركا. المراد من ذلك تأكيد خطورة الحدث الكارثي وتشكيله علامة فارقة بما سيليه من أحداث فيما يخص نظرة الأردن الشعبي والرسمي للإرهاب. 

العلامة الفارقة الثانية تمثلت بفاجعة الأردنيين بحرق عصابة داعش الإرهابية للشهيد الطيار معاذ الكساسبة. مع فارق السنوات والتنظيمين المسؤولين عن هاتين الجريمتين بحق الوطن والإنسانية فإن البوصلة كانت واضحة أمام الأردنيين بأن الإرهاب خطر حقيقي لا بد من استئصاله وسحقه. 

صدق الأردن وعده وانتقم من القتلة الإرهابيين لكن النجاحات التي تحققت - وهي بكل المعايير قياسية ومشرّفة - بحاجة إلى استدامة، بمعنى الإبقاء على جذوة محاربة الإرهاب دون هوادة.

يشهد القاصي والداني للأجهزة الأمنية الأردنية بالكفاءة، كما يشهد للشعب الأردني بالالتفاف حول قيادته، لكن طبيعة المعركة تتطلب نفسا طويلا يديم الحماسة الوطنية ويحيل العواطف الجياشة إلى مواقف عملية في هذه الحرب الضروس.

من الأمور التي تستوقفني في إحياء ذكرى اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر في أميركا، المواءمة بين ما هو عاطفي شعبي كقراءة أسماء الضحايا وتخليد ذكراهم عبر قصص إخبارية تعد باحترافية عالية قادرة على التأثير من جهة، وبين ما هو عملي مؤسسي من جهة أخرى.

من الأمثلة كانت التقرير الوطني الذي خرج على شكل كتاب من مئات الصفحات صادر عن الكونغرس ولجنة وطنية أعدت لهذه الغاية، فتم استخلاص العبر والدروس. كما صدرت قوانين خاصة بمحاربة الإرهاب لا بل وأجهزة خاصة وهيكلية عليا ضامنة للتواصل بين الأجهزة الأمنية كافة. 

في الأردن تم اتخاذ خطوات مماثلة وربما أكثر وليس بالضرورة أن يتم الإفصاح عن كل شيء لدواع أمنية يتفهما الجميع دون شك، لكن ثمة جانبين جديرين بالاهتمام أكثر هما الجانبان الفكري (الثقافي والتربوي) والإعلامي (بالمعنى الاتصالي والتواصلي) والدعائي التلقيني المباشر أو الضمني المبطّن.

تحدث جلالة الملك عبد الله الثاني في أكثر من مناسبة وطنية ودولية عن أهمية كسب المعركة مع الإرهاب فكريا، مشددا أن دحره مسألة محسومة أمنيا وعسكريا لكن التحدي الأكبر يكمن في المعركة الأكثر خطورة ألا وهي المعركة الفكرية. 

ورغم تحسس البعض من مقولة "إما معي أو ضدي" فإنها شعار صحيح فيما يخص محاربة الإرهاب لا بل وأزيد عليه أن ما يعرف بالأغلبية الصامتة لا يزيد عليها سوء سوى الاعتذارين الذين يثيرون اشمئزازنا بالاسطوانة المشروخة من التبريرات الواهية والمغرضة أحيانا عند وقوع عمل إرهابي هنا أو هناك. 

في عالم اليوم، عالم الانفجار المعلوماتي والمعرفي ومنصات التواصل الاجتماعي والخلايا النائمة والذئاب المنفردة، لا يجوز الصمت أو الحياد. الكل في معركة العالم مع الإرهاب اليوم قادر على تحصين العقول والضمائر من الإرهاب وما يسبقه من مراحل شيطانية عنكبوتية تبدأ بالعزل والتمييز والتحشيد والتأليب وتنتهي بالتخوين والتكفير والتضليل واستباحة الأرواح والأوطان والأعراض والممتلكات، وفي كل من تلك المراحل فعل إرهابي مساند ومؤدي لما سينتهي على شكل تنفيذ عملي للجريمة الإرهابية. بمعنى إن التقصير بالقيام بفعل وقائي أو مضاد للكراهية والعنف والإرهاب ما هو إلا سببا من أسباب عدم تفادي الكارثة. فمن من يقبل هذا العار لنفسه في أن يكون متواطئا بشكل أو غير مباشر مع الإرهابيين. 

وفاء لأرواح الشهداء الذين قضوا في التاسع من نوفمبر، علينا مراجعة خطابنا الإعلامي والديني والتربوي التعليمي، فتلك هي الميادين التي تبدأ فيها المعركة الحقيقية. معركة أفضل استراتيجيات كسبها هي الإقدام بثبات ومثابرة. ونحن لها بعون الله.