كيف سقطنا ؟ أبعد من الُمغر أقرب إلى النسور والملقي !

مقالات

نشر: 2017-01-22 14:17

آخر تحديث: 2017-01-22 14:17


كتابة: الدكتور مهند مبيضين

كيف سقطنا ؟ أبعد من الُمغر أقرب إلى النسور والملقي !

توتر المجتمع واثارته بسبب رأي ناقد لسياسات التعليم من قبل رئيس جامعة جرش الذي بالتأكيد لم يقصد إهانة أي طرف، المستفيد الوحيد منه الحكومة؛ لكي ينشغل الناس عن فساد الحكومات والتجاوز على القانون، والذي أظهره تقرير ديوان المحاسبة، وعن ترجعنا في التعليم وعن خيبتنا الكبيرة في تخفيف البطالة.

فقط حكومة الدكتور هاني الملقي هي المستفيد الأول من ذلك، إذ أنّ فيض الشعب بالرد على مقولة ورأي لرئيس جامعة جرش، يترك المجال لكي ينسى الناس أن بلدهم على حافة الافلاس والمديونية تكبر وتكبر، وبذات الوقت شباب هم خريجو الجامعات التي دفع أهاليهم كل ما لديهم أو درسوا على نفقة الدولة هم أمام اعصار البطالة.والمجتمع الذي فجع بشاب يقتل أمة ويفقأ عينها ويجزُّ رأسها هو المجتمع الذي يموت فيه المشردون على حواف الشارع، ويكثر فيه لقطاء الليل... وهو المجتمع الذي ينهار لأسباب أولها:

الفساد وانهيار التعليم وتفكك الأسرة وتحطيم القدوة... ليصحى الناس على أن معركتنا ليست في رد على تصريح ورأي، فمن عتب وزعل له الحق في ذلك، لكن أهالي المفرق كرام وهلم كل التقدير، وكلنا في زمن مضى سكن أهلنا المُغرفي القرى شتاءً وهذا ليس عيب، بل العيب أن ننشغل عن الحقيقة المرة بمعركة كلامية لا قيمة لها، وأن نترك فاسداً ومسؤولاً يعبث بنا ويتصرف بمستقبل أولادنا... وإليكم أمثلة على السقوط:

شاب أردني اتصل بكل الوزراء كما يروى ولم يرد أو يقبل بالرد عليه إلا مكتب معالي وزير التعليم العالي الذي حوله إلى الوزير واستقبل مكالمته بكل احترام، أليس من العيب أن يحدث هذا مع أكثر من 25 وزير يترفعوا عن الرد على مواطن كريم يقول أن لديه قضية خاصة ولا يرد إلا وزير واحداً، ومدير المكتب عند الدكتور عادل الطويسي بالـتأكيد لديه تعليمات بذلك من الوزير بأن لا يحول بينه وبين الناس.

مثال آخر: يقوم وزير سيادي في حكومة الملقي وهو عائد من باريس قبل نحو شهر بإهانة مدير مكتبة في المطار؛ لأن مدير المكتب لم يستطع أن يحجز المقعد A في درجة رجال الأعمال وكان مواطن أردني سبق وأن حجز المقعد من حُر ماله، فغضب الوزير وازبد وأرغد ويقال أنه اهان مدير مكتبة اهانة بليغة امام الناس– واترفع عن ذكر شكل الإهانة هنا- لأن معاليه استعظم أن يكون من هو أقدر منه على حجز ذلك المقعد.

في الذاكرة القريبة نشر الدكتور احمد الهنداوي وثيقة تناولها الإعلام عن أن والده المرحوم ذوقان الهنداوي أعسره العام 1989 ان يملك مبلغ 200 دينار لكي يكرم رئيس الحكومة الشريف / الأمير زيد ين شاكر. هذا نموذج قدوة، وكان يحدثني أمس صديقي د محمد الحزماوي من فلسطين يقول: لا أحد في القدس لا يعرف ذوقان الهنداوي، وكل الناس تحترمه؛ لأنه كان مدير مدرسة بيت حنينا، نعم كان ذوقان قدوة وكان حكمت الساكت وداود المجالي وسالم صقر المعاني كذلك في التربية، وحابس في الجيش وهو الذي لم يترك مالاً ولا فساداً بل ترك ارث اللطرون وباب الواد، أما وصفي فترك إرث القيادة وتحمل المسؤولية الوطنية ومشهور حديثه أبقى لنا إرث الكرامه وكثر آخرين في قاموسنا الوطني، لكن القدوة تحطمت على رصيف العقبة الخاصة وفواتير منزل رئيسها من الماء والكهرباء، العقبة التي قال فيها دولة عبد الرؤوف الروابده رأياً ما زال يعطر أذان الأردنيين ويصدق كل يوم أكثر، وأخرجت حكومته من الدوار الرابع بسببه، وها هي اليوم العقبة ليست إلا قصص فساد وتنمية مزعومة، وكلام الروابده ذاته عن قانون الانتخابات الذي سرقة صناديق المقترعين عليه أمام أعين أمننا في سابقة لم تحدث.

اما العقبة لو أعطيت بعقد إدارة لشركة اجنبية واعطتنا قليلاًمن الأرباح لكان أفضل، فهي لم تحقق إلا رؤساء هيئة مستوزرين و جيشاً من المفوضين، نعم في العقبة تكتمل المأساة ولننثر الرمال ذهباً من الكذب والفساد فتلك قصة الإخفاق الكبير.

مثال آخر من الفوضى، التربية والتعليم وانهيار القيم وتراجع حضور المعلم في المجتمع، فإذا أردت أن تنهي مجتمع انظر للتعليم والقضاء، وأما القضاء فلا نتحدث عنه لأنه محصن لكن فيه ما فيه.

المجتمع الذي يثور على تصريح لرئيس جامعة خاصة، عليه أن يتذكر بالأمس القريب نتائج ابنائه في الثانوية العامة واختبار التميز العالمي في العلوم والرياضيات، وان يسأل وزير التربية عن أموال تدريب المعلمين وقيمتها ولمن حولت واين وكيف تصرف ؟

المجتمع عليه ان يظفر بكرامته لأن ما يحدث هو إهانة حين نقرأ فعايل حكومة عبد الله النسور، وخيباتها ونقرأ صمت الملقي، الذي لن يفعل شيئاً إلا مزيدا من الخيبات والتراجع.

يعلق سفير عربي عمل مع د.هاني الملقي في القاهرة ويسألني متأكدين أنه سينجح؟ قلت نعم، قال: انتم لا تعرفوه، قلت بلى نعرفه، والده رجل دوله، ونعرف أنه شديد الغضب وسريع التوتر، قال اكثر مما تتصور، قلت الله يستر.. من الجايات... لكن في الذاكرة نتذكر كيف أدار رئيس وزرائنا ازمة طلابنا في القاهرة حين قامت ثورة مصر بأسوأ ما يكون من سفير؟

المجتمع يا ساده عليه أن يحمي نفسه من الضياع، وان نرتقي بالأسرة ونحميها، وان نحتفي بالقدوة والنزاهة، وهم موجودون مدراء مدارسي ومعملين وفي الذاكرة الصديق حيدر الزبن والدكتور محمد عبيدات نموذجان من الاحترام والاخلاص،،،

نسيت ان أذكر بان الناقل الوطني الأردني “ الملكية هي أيضاً قصة ضياع لا يمكن تصورها... وتذاكر النسور شاهد على السقوط الأكبر... نسيت أن اذكر بأن المنتخب الوطني لكرة القدم بات في أكثر الأوضاع تراجعاً وأن السلوك الوظيفي لكبار رجال الدولة بات محيراً، وان أخطاء التعينات صارت نكته للمجتمع، نسيت أن أذكر بأن الرأي مؤسسة الدولة كانت فيما مضى برئاسة محمود الكايد أبو عزمي وسليمان عرار، ونسيت أن الجامعة الأردنية تولاها ناصر الدين الأسد وعبد السلام المجالي، وأن اليرموك أدارها مروان كمال ومحمد حمدان ومؤته لها فصول من الحضور المشع في سيرة عوض خليفات وعلي محافظة وعدنان البخيت، نسيت من هول الواقع أن أتذكر أنه كان في الديوان الملكي محمد السقاف ومروان القاسم وخالد الكركي،... وأن الإذاعة كانت دارا للقاء بين ووصفي وحابس، وان البنك المركز كان على راسه محمد سعيد النابلسي مع كل التقدير للدكتور زياد فريز الذي يحاول أن يبقي على الإرث والهيبة باقتدار.

نسيت أن الزمن الماضي حمل الينا انتصارات الكرامة، وان الجامعة الأردنية درست حبيب الزيودي وناهض حتر ووليد سيف ومعروف البخيت وعبد الهادي راجي المجالي ووضاح خنفر وفي اليرموك كان ثمة أبطال آخرين صنعوا زمناً جميلاً، احمد أبو خليل ياسر أبو هلاله ومحمد التل ورمضان الرواشده ورمزي الخب وايمن العتوم - على كل خلافنا مع روايته - وفهد الخيطان، واليوم يقول رئيس جامعة جرش أن طلبة الجامعة زبالة، قد يكون السبب أننا لم نعد نختار أولادنا اليوم ممن يذهبون للجامعات، لأن من كان يذهب هم الصفوة ومن ينجح بالثانوية هم الأفضل والقلة. وكانت المُغر حاضرة...

نسيت أن أذكر ان حابس المجالي فرش البساط الأحمر لمعلمة حسن البرقاوي واستقبله حين أبلغ أنه سيزوره.. لأنه معلمه ..وأما اليوم فلنا في الأمثلة والخيبات الكثير الكثير، لنا ببطولات الدكتور الذنيبات في التربية والتعليم فجيعة الاخفاق....

نسيت أن أقول أن الدولة منذ العام 1926 كان فيها نظام عادل للبعثات العلمية للجامعة الأمريكية وإليها ذهب حسني فريز وأديب عباسي وشوكت تفاحه وعبدالله النسور وعلي السحيمات وعبد الرؤوف الروابده وسليمان النابلسي وعبد الكريم الكباريتي،،، كانوا أوائل وكان العدل موجود ومنهم من درس على نفقته...

نسيت أن الأردن فيه الكثير من الانهيار الاجتماعي ... لكن اعرف أن كل أردني شريف مغتاظ وقلبه يتوجع، وأن رئيس مجلس مفوضي العقبة العتيد يسكن كما قيل بفندق ويرفض الإقامة بمنزل من سبقه، ذلك أن حضور من سبقه وطنيا أكبر من أن يسكنه أحد بعده. نسيت ونسيت، لكني على يقين أن البلد سيظل منيعا بجنده وأهل الأمن من العدو الخارجي والداخلي، لكن حذار بأن يكبر الورم الداخلي المتمثل بالفقر والفساد والبطالة فلا نعد قادرين على العلاج ونضطر للبتر. ويحل الفطام بين الفرد والدولة.

زمان كنا لما نروح رحلات مدرسية.... ثلاث معالم في عمان تزار او أربعة هي: جريدة الراي والجامعة الأردنية وصرح الشهيد،،،، زمان كان المجد في كل صباح... كنا قريبين من المُغر وكان زعتر الوديان هو الفطور.... وكان مضر بدران رئيس حكومات البناء الوطني(الصوامع وطريق اربد والمينا) ووصفي ذاكرة الشهادة وحابس رمز البطولة... لذلك زمان رغم أنه أبعد من كل أوجاعنا اليوم، لكنه أجمل من الحاضر.