هل في بلدنا ليبراليون ....؟

مقالات

نشر: 2017-01-22 14:16

آخر تحديث: 2017-01-22 14:16


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

هل في بلدنا ليبراليون ....؟

في ثقافتنا ثنائية عجيبة يعمل عقلنا على استخدامها في كل موقف. فما ان نصادف احدا حتى نجد انفسنا امام حاجة لتصنيفه وتحديد اذا ما كان طيب اوشرير , الناس حلوين وبشعين , صادقين وكاذبين , مؤمنين وكفار. وحتى فيما يخص العلاقة بالوطن منتمين وغير منتمين . دعوات عمر العبداللات الى الوحدة وهو يصدح بكلمات اغنيتة الداعية الى مقاومة هذا التصنيف" لا حارة ولا اكراد....ولا جبل ولا واد" لم تفلح كثيرا في تخليصنا من هذه الثنائية التي تصدرت حديثنا السياسي وتفاعلاتنا اليومية.

في كثير من المناسبات وعندما يأتي الحديث على اوضاعنا الاقتصادية يقفز الى مفردات الحوار مصطلح الليبراليين ويستطرد البعض في اللوم او الاشادة بمن تعارف الناس على تسميتهم بالليبراليين دون التوقف عند هذا المفهوم ودلالاته والامعان في فلسفة واهتمامات وممارسات الاشخاص الذين ترد اسمائهم تحت هذا المسمى واسهاماتهم الحقيقية فيما حصل من تغير ومدى قربهم او بعدهم فكريا عن نمط التفكير الليبرالي في السياسة والاقتصاد والقيم وانماط حياتهم ومسيرتهم الشخصية وكل القضايا والممارسات التي تقرب هؤلاء او تبعدهم عن مفهوم الليبرالية.

فالمدرسة الليبرالية كما يعرفها العالم هي اتجاه فكري سياسي اقتصادي اجتماعي ظهر في عصر التنوير عندما كان الفلاسفة يحاولون البحث عن اسس وقواعد ومبادي تساعدهم على الولوج الى عصر النهضة و بناء مجتمعات تنظم علاقة جديدة بين الافراد والحكام تحتلف عن تلك التي كانت سائدة ابان عصور الظلام عندما كانت الكنيسة وانظمة الحكم المستبدة مهيمنة على معظم مجالات الحياة والتفكير .

من بين الافكار التي طرحها الفلاسفة لتسهم في بناء هذا الاتجاه ما جاء به جون لوك حول تصوراته للحالة الطبيعية التي كان عليها الافراد قبل نشوء الدولة والتي وصفها بالحرية وجعل وظيفة الحاكم ومسؤولياته في العقد صيانتها وحمايتها . فالتنازل الذي يقوم به الافراد عن حقهم في حماية انفسهم لحساب الدولة لا يعطي للدولة الحق في تقييد حرياتهم الاقتصادية او التعدي عليها كما تدعو الليبرالية الكلاسيكية التي ظهرت لاحقا في كتابات منظريها من امثال فولتير وريكاردو وادم سميث إلى احترام الحقوق الطبيعية للانسان وحماية الحريات المدنية والى تقييد حرية الحكومات في التدخل بالسوق و تقليص حجم الحكومة على اعتبار ان هذه الاجراءات كفيلة بخلق نظام اقتصادي اجتماعي سياسي يخدم المجتمع بصورة مثالية.

التصنيفات التي يجريها البعض لطبقة العاملين مع الدولة الى ليبراليين ومحافظين تصنيفات لا تستند الى اي منطق. الحديث عن الليبراليين في الشارع الاردني يحمل ضمنيا اتهام لفئة ممن عملوا في مواقع صناعة القرار بانهم كانوا وراء السياسات والبرامج التي ادت الى الانتقال بالمجتمع من حالة الرعاية والمسؤولية الكاملة عن الافراد والتشغيل الى الحالة التي تقلص فيها الدور بعد خصخصة الكثير مما تملكه الدولة واحالة مسؤولياتها الى القطاع الخاص.

الحقيقة التي لا يتوقف عندها الناس ان الخصخصة نهجا تبنته الدولة الاردنية في العقدين الاخيرين وجرى تنفيذ برامجها في عهد كل الحكومات ورؤساء السلطات خلال كامل الفترة بصرف النظر عن موقع هؤلاء الذوات في التصنيفات التي يتبناها الشارع. وفي حقيقة الامر لم يسبق لاي رئيس حكومة او سياسي ان ابدى اعتراضا على برنامج الخصخصة لو انتقد نهجها طوال الفترات التي كانوا فيها على رأس عملهم. بعض من يصنفون انفسهم محافظين اشرفوا على برامج ومشروعات خصخصة وتحويل ملكية شركات كبرى للقطاع الخاص بقيمة تفوق عشرات المرات المشروعات والبرامج التي نفذها ما نسميهم بالليبراليون.

تقسيم العاملين في السياسة او من يدورون في فلكها تقسيم اعتباطي لا معنى له, وهو لا يخدم الا اغراض الداخلين في منافسة للتقرب من صانع القرار من خلال الكسب الجماهيري على اعتبار انهم الاقرب للناس والاحرص على اشاعة العدالة الاجتماعية التي يرون انها تقلصت بفعل استحواذ البعض على الكثير من الشركات والمرافق والاستثمارات التي كانت تديرها الدولة ويستفيد الناس من فرص العمل والعوائد المالية التي كانت توفرها لخزينها .

في الاردن لا يوجد محلفظون ولا ليبراليون بالمعنى الذي تستخدمه ادبيات الفكر السياسي وكل ما نتداوله هي تقسيمات تكتيكية يستخدمها البعض لعرض انفسهم ومهاجمة خصومهم للتفرد بامتياز التقرب من صناع القرار.