الانتحار...والعوامل الغائبة

مقالات

نشر: 2017-05-03 12:26

آخر تحديث: 2017-05-03 12:26


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

الانتحار...والعوامل الغائبة

قتل النفس ليس ظاهرة جديدة فقد عرفها الانسان منذ بدء الخليقة وهي موجودة لدى العديد من الكائنات، وفي الادب العالمي وكثير من الروايات الشهيرة ينتحر البطل عندما لا يجد الكاتب نهاية درامية مثيرة لروايته.

الرواد الاوائل للفكر والفلسفة والاجتماع تحدثوا بدرجات متفاوتة عن الانتحار قبل ان يقدم اميل دوركايم نظرية متكاملة تربط الظاهرة بالعوامل البنائية وتفسرها من خلال استخدام كم هائل من الاحصاءات الديمغرافية للعديد من البلدان الاوروبية في نهايات القرن التاسع عشر ويصدر اول كتاب يتحدث عن الانتحار وانماطه مبينا خصائص الفئات التي تقبل على الانتحار من حيث العمر والجنس والديانة والحالة الاجتماعية وكمقدما لاربعة انواع من الانتحار يتولد بعضها كنتاج للترابط والاندماج الاحتماعي كالانتحار الايثاري " الفدائي " الذي يقوم به الفرد فداء للجماعة وقيمها وافكارها وينتهي بالانتحار الناجم عن ضعف الرباط بين الفرد والجماعة وما ينجم عنه من انعزال وانزواء قد يقود لما اسماه بالانتحار الاناني.

بالرغم من مرور ما يزيد على قرن من الزمان على دراسة دوركايم للانتحار فان ما نعرفه اليوم عن الانتحار وعوامله البنائية والفردية لا يخرج كثيرا عن ما تضمنه الكتاب الذي ضم خلاصة النتائج التي توصل لها مؤسس علم الاجتماع الذي حاول ان يثبت بان العلم الجديد " علم الاجتماع " قادر على دراسة الظواهر الاجتماعية كحقائق خارجة عن الافراد المكونين لها ومن خلال الحقائق والارقام التي تفسرها دون العودة بالضرورة الى تمحيصها حالة بحالة.

في الاردن وخلال السنوات الاخيرة قفزت ارقام الانتحار ما يزيد على ثلاثة اضعاف حيث كانت بحدود 38 حالة في نهاية العقد الماضي واصبحت تزيد علة 130 حالة في 2016 الامر الذي اثار اهتمام الاعلام والساسة والباحثين واثار شهية البعض للتحليل وتقديم التفسيرات امتباينة حول الدوافع والاسباب والانماط وغيرها من السمات التي لا تزال بجاجة الى الكثير من القراءة والتمحيص.

الكثير من الاسباب التي يسوقها البعض لتفسير الظاهرة تتناول البطالة والفقر وسوء الاحوال الاجتماعية والاقتصادية اضافة الى المخدرات والسكر والجريمة والاكتئاب وغيرها من العوامل التي استخدمها ويستخدمها علماء النفس والاجتماع في العالم الغربي وبقية الثقافات العالمية الاخرى.

في عالمنا العربي وقفت الاديان موقفا حاسما من قضية الاعتداء على النفس واعتبرتها فعلا محرما وظل الانسان المؤمن متشبثا بالحياة حتى ما انتفاء اسبابها الامر الذي فسر انخفاض نسبة الانتحار وندرتها في المجتمعات الاسلامية طوال القرون الماضية وقبل انتشار الجماعات الجهادية التي احترفت صناعة الموت والاحزمة الناسفة والتفجيرات الانتحارية.

اليوم لا تخلو نشرة اخبارية في العالم العربي وشبكات الاخبار العالمية من قصة ترصد وتصور نتائج التفجيرات التي تقوم بها الجماعات التي اتخذت من القتل والتدمير للحضارة الانسانية وما فيها من مظاهر الحياة والنشاط هدفا تسعى الى ضربه والتعدي عليه باسم الجهاد والدفاع عن الدين وباساليب انتحارية.

الانتحار باسم العقيدة والموت باسم الجهاد و التأثير المباشر وغير المباشر للفكر الجهادي على شعور وقيم وسلوك الافراد الذين يمرون بمشكلات وازمات نفسية ويحاصرهم اليأس امور ظلت ولا تزال غائبة عن التحليلات التي يقوم بها البعض لظاهرة الانتحار في الاردن والعالم الاسلامي.

استمرار البحث في النظريات والنماذج التقليدية لتفسير ظاهرة الانتحار في العالم العربي والمجتمعات الاسلامية يحول دون وصولنا الى تشخيص حقيقي للظاهرة ويقودنا الى تعميمات قد لا تفيد كثيرا في بناء سياسات ملائمة للتصدي للظاهرة وقراءة وفهم التغير الذي تمر به مجتمعاتنا.