الانتحار ... والعوامل الغائبة

مقالات

نشر: 2017-05-02 09:50

آخر تحديث: 2017-05-02 09:50


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

الانتحار ... والعوامل الغائبة

قتل النفس ليس ظاهرة جديدة فقد عرفها الإنسان منذ بدء الخليقة وهي موجودة لدى العديد من الكائنات.

وفي الأدب العالمي وكثير من الروايات الشهيرة ينتحر البطل عندما لا يجد الكاتب نهاية درامية مثيرة لروايته. الرواد الأوائل للفكر والفلسفة والاجتماع تحدثوا بدرجات متفاوتة عن الانتحار قبل ان يقدم اميل دوركايم نظرية متكاملة تربط الظاهرة بالعوامل البنائية وتفسرها من خلال استخدام كم هائل من الإحصاءات الديمغرافية للعديد من البلدان الأوروبية في نهايات القرن التاسع عشر ويصدر أول كتاب يتحدث عن الانتحار وأنماطه مبينا خصائص الفئات التي تقبل على الانتحار من حيث العمر والجنس والديانة والحالة الاجتماعية وكمقدما لأربعة أنواع من الانتحار يتولد بعضها كنتاج للترابط والاندماج الاجتماعي كالانتحار الايثاري " الفدائي " الذي يقوم به الفرد فداء للجماعة وقيمها وأفكارها وينتهي بالانتحار الناجم عن ضعف الرباط بين الفرد والجماعة وما ينجم عنه من انعزال وانزواء قد يقود لما اسماه بالانتحار الأناني.

بالرغم من مرور ما يزيد على قرن من الزمان على دراسة دوركايم للانتحار فان ما نعرفه اليوم عن الانتحار وعوامله البنائية والفردية لا يخرج كثيرا عن ما تضمنه الكتاب الذي ضم خلاصة النتائج التي توصل لها مؤسس علم الاجتماع الذي حاول ان يثبت بان العلم الجديد "علم الاجتماع" قادر على دراسة الظواهر الاجتماعية كحقائق خارجة عن الأفراد المكونين لها ومن خلال الحقائق والأرقام التي تفسرها دون العودة بالضرورة إلى تمحيصها حالة بحالة.

في الأردن وخلال السنوات الأخيرة قفزت أرقام الانتحار ما يزيد على ثلاثة أضعاف حيث كانت بحدود 38 حالة في نهاية العقد الماضي وأصبحت تزيد علة 130 حالة في 2016 الأمر الذي اثأر اهتمام الإعلام والساسة والباحثين واثأر شهية البعض للتحليل وتقديم التفسيرات المتباينة حول الدوافع والأسباب والأنماط وغيرها من السمات التي لا تزال بحاجة إلى الكثير من القراءة والتمحيص.

الكثير من الأسباب التي يسوقها البعض لتفسير الظاهرة تتناول البطالة والفقر وسوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية إضافة إلى المخدرات والسكر والجريمة والاكتئاب وغيرها من العوامل التي استخدمها ويستخدمها علماء النفس والاجتماع في العالم الغربي وبقية الثقافات العالمية الأخرى.

في عالمنا العربي وقفت الأديان موقفا حاسما من قضية الاعتداء على النفس واعتبرتها فعلا محرما وظل الإنسان المؤمن متشبثا بالحياة حتى ما انتفاء أسبابها الأمر الذي فسر انخفاض نسبة الانتحار وندرتها في المجتمعات الإسلامية طوال القرون الماضية وقبل انتشار الجماعات الجهادية التي احترفت صناعة الموت والأحزمة الناسفة والتفجيرات الانتحارية.

اليوم لا تخلو نشرة إخبارية في العالم العربي وشبكات الأخبار العالمية من قصة ترصد وتصور نتائج التفجيرات التي تقوم بها الجماعات التي اتخذت من القتل والتدمير للحضارة الإنسانية وما فيها من مظاهر الحياة والنشاط هدفا تسعى إلى ضربه والتعدي عليه باسم الجهاد والدفاع عن الدين وبأساليب انتحارية.

الانتحار باسم العقيدة والموت باسم الجهاد والتأثير المباشر وغير المباشر للفكر الجهادي على شعور وقيم وسلوك الأفراد الذين يمرون بمشكلات وأزمات نفسية ويحاصرهم اليأس أمور ظلت ولا تزال غائبة عن التحليلات التي يقوم بها البعض لظاهرة الانتحار في الأردن والعالم الإسلامي.

استمرار البحث في النظريات والنماذج التقليدية لتفسير ظاهرة الانتحار في العالم العربي والمجتمعات الإسلامية يحول دون وصولنا إلى تشخيص حقيقي للظاهرة ويقودنا إلى تعميمات قد لا تفيد كثيرا في بناء سياسات ملائمة للتصدي للظاهرة وقراءة وفهم التغير الذي تمر به مجتمعاتنا.