حالة من الاحتباس الحضاري

مقالات

نشر: 2017-04-24 09:25

آخر تحديث: 2017-04-24 09:25


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

حالة من الاحتباس الحضاري

الحلم الذي يراود ملايين الاردنيين والعرب بالانتقال من حالة الخدر والتكلس و اليأس إلى حالة جديدة يكون فيها الأفراد أكثر رفاه وسعادة والمجتمع أكثر حيوية وديناميكية وقدرة على لعب أدوارا فاعلة في مسيرة الحضارة الإنسانية يحتاج إلى أفكار وبنى ورؤى وتنظيمات جديدة تساهم في تحرير طاقات الأفراد وتتيح المجال لتوظيفها واستثمارها في مناخ من الحرية والتمكين بعيدا عن التابوهات والقيود التي قتلت طموحاتهم ووئدت طاقاتهم وأحلامهم.

في العالم الغربي صاحب الثورات العلمية والدينية والأخلاقية والصناعية وحالة التحول نحو النهضة والتصنيع والتحضر ظهور تنظيمات جديدة حلت محل البنى والنظم التقليدية وساعدت على تطوير الوعي الفردي وبناء القدرات وتنميتها وتوظيفها فأصبحت القدرة والموهبة والعمل الأسس الجديدة التي تؤهل الأفراد للقيام بالأدوار واكتساب المكانات التي تنسجم معها.

الدعوة التاريخية التي أطلقتها الشيوعية في مطلع القرن العشرين "يا عمال العالم اتحدوا" وجدت صداها في العديد من أرجاء العالم على هيئة الروابط والاتحادات والنقابات التي أصبحت مظهرًا من مظاهر المجتمعات التقليدية والمعاصرة على حد سواء.

موجة تأسيس الاتحادات لم تعد وقفًا على المجتمعات الصناعية حيث التخصص الدقيق وتقسيم العمل . بل أصبحت ملمحًا من ملامح كل المجتمعات البشرية بما في ذلك الزراعية والتقليدية منها, فقد أصبح لكل حرفة او نشاط تنظيم على هيئة اتحاد أو رابطة أو جمعية.

اليوم يصعب حصر عدد الاتحادات والجمعيات والروابط في أي مجتمع والتي أصبحت تنمو بمتوالية تفوق القدرة على التمييز بين مهامها والتداخل بين اختصاصاتها. في الأردن تنامت أعداد الجمعيات والروابط والاتحادات في السنوات الأخيرة بمعدل جعلها تتفوق أو تزيد على أعداد العشائر والبنى التقليدية فيه دون ان نلمس اثرا لهذا التزايد على نوعية حياة الإنسان أو مكانة ودور المجتمع على المسرح العالمي.

في المجتمع الأردني تشير بيانات سجل الجمعيات الى وجود ما يزيد على 5000 جمعية ومنظمة واتحاد تغطي اهتماماتها واختصاصاتها معظم حقول العمل الاجتماعي والثقافي والسياسي والفني والفكري. كما تشتمل البنى الجديدة على عشرات النقابات المهنية والحرفية التي وجدت لتطوير المهنة والنهوض بها ومعالجة الاختلالات والازمات التي قد تنشأ وتنظيم قواعد الدخول للمهنة وممارستها اضافة الى مسؤوليات الحفاظ على مصالح الاعضاء وتوفير اشكال الدعم والتأمينات لهم.

نتيجة لغياب او ضعف الاحزاب السياسية وهيمنة الحزب الواحد في بعض المجتمعات العربية أصبحت بعض النقابات المهنية كالأطباء والمحامين تتأثر كثيرًا بالأوضاع السياسية المحلية والاقليمية وتتفاعل معها وبصورة ادت في كثير من الاحيان الى تغليب السياسة على شؤون المهنة واوضاعها.

غالبية الاتحادات والجمعيات والنقابات والمنظمات الجديدة في المجتمعات العربية جرى تدجينها واخضاعها للبنى التقليدية ففقدت خاصية الحداثة والقدرة على أحداث التغيير. في العديد من الاتحادات والروابط والجمعيات تجري الانتخابات على أسس قبلية وطائفية وجمهورية ويهيمن على مسيرتها ثلة من الأعضاء يعملون على توظيفها لخدمة مصالحهم وأغراضهم الشخصية.

الأهداف التي تأسست من اجلها الاتحادات والروابط والتنظيمات غائبة أو مغيبة ولا وجود لها إلا في الوثائق التأسيسية لبعض لهذه التنظيمات التي فقدت ثقة غالبية الأعضاء وجرى التحكم في مواقفها ومسيرتها من قبل مجالسها الحاكمة.

المشكلات التي تعاني منها بعض القطاعات والمهن لا تزال خارج اهتمام النقابات والاتحادات التي تصدر بياناتها دون الرجوع الى هيئاتها العامة وتحرص على إدامة علاقات ايجابية مع صناع القرار في بلدانها اكثر من حرصها على كسب ثقة اعضائها.

اليوم وفي العديد من مجتمعات العالم الثالث يصعب التمييز او ملاحظة الاختلاف بين بنى ووظائف التنظيمات التقليدية والتنظيمات الحداثية فكليهما تعمل بموجب قيم المجتمع التقليدي بالرغم من استخدام بعضها لمسميات ومفردات حداثية.

حالة الانحباس الحضاري التي تعاني منها الامة مرشحة للتعمق اكثر واكثر بعد ان سقطت العديد من التنظيمات ذات الصبغة الحداثية في يد البنى التقليدية لمجتمعاتها.