اهو الجوع ؟...ام شيء اخر

مقالات

نشر: 2017-04-04 01:58

آخر تحديث: 2017-04-04 01:58


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

اهو الجوع ؟...ام شيء اخر

في فلم اللعب مع الكبار الذي انتج عام 1991 يظهر النجم عادل امام بدور ( حسن بهلول) الشاب الذي حاصرته البطالة والحاجة فخابت اماله وقتلت طموحاته ولم يعد قادرا على تحقيق حلمه بالزواج من خطيبته عايدة رياض.
كل ذلك لم يفقد حسن بهلول الاحساس بالحب والشعور بالمسؤولية والاستعداد لخدمة الوطن فيوظف قدراته الخارقة على رؤية ما وراء الحواس والتنبؤ في الدلالة على الجرائم قبل وقوعها والتعرف على فاعليها فيصبح صديقا لضابط امن الدولة حسين فهمي الذي يستعين به على كشف بعض الجرائم والأحداث الغامضة.
الجانب الظريف في شخصية حسن بهلول الذي عرضه الفيلم يتمثل في ظهوره الدائم كضيف على الطبقات الاجتماعية المترفة خلال حفلات الزفاف التي يقيمونها في فنادق الخمسة نجوم مستغلا انشغالاتهم وموهما الاطراف الداعية بأنه مدعو من قبل الآخر ليكون اول من يفتتح مآدب العشاء وأول المغادرين لها بعد أن يمر على اطباق المائدة بوحشية لا مثيل لها.
في الاردن من السهل الحديث عن التغير الاجتماعي والاقتصادي والعمراني بلغة وأرقام يفهمها الجميع. فقد اصبح التغير سمة نقبلها ونرصدها ونتحدث عنها ونتخذ مواقف متباينة منها وقد نمعن احيانا في شرح اسباب التغير واتجاهاته وأثاره فقد قيل لنا انه الثابت الوحيد. الكثير من التغيرات محمودة ومرحب بها على اعتبار انها تشكل تطورا او تحسنا على الاوضاع السابقة. فالتاجر يبدأ صغيرا ويتطلع الى ان تنمو تجارته وتتحسن اوضاعه.
التغير الذي طال حياتنا وعلاقاتنا وتفكيرنا عميق ومتنوع وربما غير مفهوم. بالأمس احتفلت احدى سفارات الدول الصديقة بعيدها الوطني ودعت اليه الاصدقاء والشخصيات الرسمية ورجال الاعمال والمنظمات الاهلية. من بين الحضور كان عشرات الاشخاص على شاكلة حسن بهلول. فقد حضروا دون ان توجه لهم الدعوة واحتلوا زوايا القاعة الفارهة بانتظار انتهاء الفقرات الخطابية والفنية لينقضوا على موائد الطعام التي جرى تجهيزها بهذه المناسبة.

جماعة حسن بهلول وأصدقاؤه يتكاثرون في بلادنا بمتوالية هندسية ليشكلوا اكثر من نصف الحضور في مناسبات الاعياد الوطنية للدول الغنية وربما الربع او يزيد من جمهور المناسبات الاخرى. بالرغم من ان بعض السفارات تنبهت الى هذه الحالة واستعانت بكوادر تطلب من البعض ابراز البطاقة إلا ان هذه المجموعات تنجح بالوصول الى اماكن الاحتفال وتهيمن على الفضاء من خلال التحلق حول المسؤولين والشخصيات العامة وطلب التقاط الصور والإشادة بأداء الشخصيات العامة وسرعان ما يندمجوا في الاجواء ويهيمنون عليها.
في غير اوقات المساء يحرص جمهور المتطفلون على حضور المؤتمرات والندوات وورش العمل التي تعقد في الفنادق ليكونوا اول المتوجهين الى قاعات المطاعم التي قد يحجزون طاولات للأصدقاء والأقارب الذين لا يأتون إلا عند وقت الوجبات.
الاشخاص الذين اعتادوا على التجوال في ردهات الفنادق بحثا عن التجمعات والتقاط الصور مع الشخصيات العامة التي تذعن لطلباتهم باتوا يشكلون عبئا ويسببون الحرج للضيوف والمضيفين على حد سواء. الكثير منهم يأتون على هيئة جماعات او عصبة من النساء التي لا توحي اعمارهن او مظاهرهن بان لهم علاقة في المناسبة او الحدث.
البعض يستثمر المناسبة للشكوى من سوء اوضاعهم وقد يتجرأون لطلب المساعدة او التسول بطرق متنوعة ومبتكرة. في حالات عديدة قد يستولي البعض على مستلزمات الضيافة ويخفونها في الحقائب اليدوية او في الاكياس التي يجري استخدامها للمنشورات والصور، في اكثر من مرة ضبطت كاميرات الفنادق اشخاصا حاولوا سرقة مقتنيات ومواد ومشروبات خلال احتفالات وأعياد حضروها الامر الذي دعى الى ايقافهم ومصادرة الممتلكات والمواد المسروقة وتوديعهم لدوائر الامن.
ظاهرة التسلل او التطفل والاختراق التي بشر بها فيلم اللعب مع الكبار قبل ان تصبح حقيقة يومية نلمسها في فنادقنا وبيوت عزائنا ومؤتمراتنا وورشنا التدريبية ظاهرة تدعو الى التأمل والتساؤل حول اسبابها وعوامل نموها وانتشارها...لا اظن انه الجوع بمقدار ما هو تدهور المنظومة الاخلاقية وفقدان الايمان بشرعية الاحكام والقيم والتقسيمات الطبقية.