الاخوة العربية ... ماذا تعني؟

مقالات

نشر: 2017-03-28 08:24

آخر تحديث: 2017-03-28 08:24


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

الاخوة العربية ... ماذا تعني؟

في الأدبيات العربية يصف الإعلام العربي العلاقات البينية العربية بـ "الأخوية" ويصف الدول والشعوب غير العربية بـ "الصديقة".

وينشط استخدام هذه الأوصاف عند الزيارات الرسمية أو الاجتماعات وفي الأعياد واللقاءات والمناسبات وفي كافة المخاطبات الرسمية وغير الرسمية التي تجري على كل المستويات.

وينسحب وصف الشعوب الشقيقة والصديقة معا على بعض الدول والشعوب التي قد نشترك معها في القومية او الدين كشعوب الدول الاسلامية والدول التي تنشأ بيننا وبينها علاقات تجارية واقتصادية قوية او الدول التي اعتادت ان تقدم لبلدنا المساعدات والدعم والتأييد.

الدول والشعوب التي لا نستخدم أوصاف الشقيقة او الصديقة عند مخاطبتها او الحديث عنها قليلة جدا وذلك يعكس الكرم في التوصيف والود الذي تبادر به ثقافتنا نحو دول وشعوب العالم . وهي خاصية تمتاز بها الثقافة العربية عن غيرها وتجد أصولها في الدين" وجعناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" والقصص والرويات التي تدرس في المدارس" سليم صديق العالم كله" والمقولات والحكم الشعبية والشعارات التي تستخدم في الدراما المحلية " حب الكل تحظى بالكل " وغيرها من الشواهد التي تجسدها اشكال وصنوف التراث و الادب المحكي والمكتوب.

بالرغم من البساطة الظاهرة لمفهوم الاخوة الا انه يحمل معان ودلالات معقدة ومركبة ومتضاربة ويصعب تبسيطها الا جانب الروابط الدموية " القرابية " التي يحملها المفهوم وشعور الاخوة بالقرب والصلة والتشابه والشراكة في اللون والدم والعرق والقيم والمفاهيم والمعتقد وربما الموقف من الاخر الا ان هناك منافسة خفية ومقارنات يعقدها الاخوة بين بعضهم البعض ومناكفات تحصل بين الاخوة بعضها يهدف الى الاستحواذ على الحب والاهتمام وبعضها بدافع ان يثبت بأنه الأفضل والأذكى والادهى والاكثر نجاحا.

قيم ومعاني الاخوة تولد توقعات كثيرة لدى الإخوة فهم يتوقعون الوقوف الى جانب بعضهم البعض في المناسبات الحلوة والمرة ويدعمون مواقف بعضهم البعض ويتكافلون على حل المشكلات التي تواجه ايا منهم دون تردد او تفكير او حسابات.

في مراحل الرعي والزراعة يشترك الاخوة في العمل والثروة ويعمل الفرد على خدمة الجماعة كما تعمل الجماعة على خدمة الفرد دون النظر الى المصالح الفردية او توقف ايا من الافراد لاحصاء ما يملك او السعي لتمييز نفسه عن بقية الاخوة واعضاء العائلة.

في عالم اليوم الذي طغت عليه قيم وافكار ومشاعر وممارسات المذهب الرأسمالي سادت النزعة الفردية وحب التملك واصبحت الملكية الفردية والرغبة في تنمية رأس المال والثراء عناصر مهمة تؤثر على البناء الاجتماعي والعلاقات التقليدية والقيم التي تحكم علاقات المجتمع الرعوي والزراعي . فلم تعد الإخوة تحمل نفس القيم والمعاني والدلالات والتوقعات التي ارتبطت بها في المراحل التاريخية السالفة.

المصالح الجديدة في العصر الصناعي التجاري ترتبط براس المال والربح والثراء والشركاء ليسوا الاخوة وانما الزبائن سواء كانوا تجارا او مستهلكين اينما وجدوا والاطار الذي تقوم عليه العلاقات الجديدة ينتجه علم ادارة الاعمال والتسويق وليست التقاليد والموروث الشعبي.

في مثل هذه الاوضاع يحدث تصدعات عميقة وتهتز العلاقات داخل المجتمع وبين الاخوة حيث يتبنى بعض الاخوة القيم والافكار والاتجاهات الليبرالية الراسمالية ويسعون الى تنمية ثرواتهم واموالهم من خلال الدخول في علاقات وشراكات خارج حدود المكان في حين يتطلع البعض ممن يعانون من محدودية الموارد والفرص الى اخوتهم ليعملوا على مساعدتهم والوقوف الى جانبهم لتجاوز الظروف والتحديات التي تواجههم.

العلاقة الحقيقة بين الاخوة في مثل هذه الاوضاع لا تخلو من التوتر الذي يعمل الطرفان على مداراته ودفعه لكي لا يظهر الى السطح. فالأغنياء يتطلعون لإخوانهم الفقراء على انهم اشقاء لم يحالفهم الحظ كثيرا وعليهم التسليم بالقدر والعيش ضمن مواردهم وامكاناتهم و يطالبونهم بمزيد من التسبيح والدعاء لاخوانهم بمزيد من النجاح والتقدم والازدهار , في حين يهمس الفقراء في فضاءاتهم الخاصة بالعتب على إخوتهم الأغنياء ويتهمونهم بالتجاهل والتقصير لأوضاع اخوتهم ومعاناتهم .

الامة العربية ليست الأغنى ولا الأقوى ولا الأكثر تأثيرا في العالم لكنها الابعد عن مسار التقدم و الاقل نموا والاكثر حرمانا من التنمية والديمقراطية والاكثر معاناة من التمزق والحروب والاكثر تباينا بين القول والفعل .... فالإخوة العربية تعني أشياء مختلفة للأغنياء وللفقراء في العالم العربي.