بين الزيارة والمزار

مقالات

نشر: 2017-02-26 11:31

آخر تحديث: 2017-02-26 11:31


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

بين الزيارة والمزار

الزيارة التي قام بها رئيس مجلس النواب الاردني عاطف الطراونة الى طهران الاسبوع الماضي اثارت اهتمامات وفضول السياسين والاعلاميين والمراقبين في الاقليم والعالم.

وفتحت شهية العديد منهم على تقديم قراءات وتحليلات تجاوز بعضها توقعات اكثر الناس تفاؤلا وايجابية.

اللقاء الذي جرى بين رئيس مجلس النواب الاردني والرئيس الايراني على هامش مشاركة الوفد البرلماني الاردني بمؤتمر حول القدس اكتسب اهمية بالغة لاسباب تتعلق بالتوقيت والمحتوى وتطور الملفات الامنية في كل من سوريا والعراق واليمن والمناخ السياسي الاقليمي والعالمي بعد تولي الرئيس ترامب لمقاليد الامور في البيت الابيض والتهديدات التي اطلقها بعض المساعدين و تعاطف الرئاسة الامريكية الجديدة وتاييدها المطلق للاولويات الاسرائيلية.

العلاقة بين ايران والاردن علاقة تبدو طبيعية على السطح لكنها معقدة ومتشابكة لعوامل خارجة عن ارادة الطرفين. فالعلاقة التي كانت من اقوى العلاقات الاقليمية قبل انطلاق الثورة الخمينية عام 1979 تحولت الى علاقة عدائية مع نشوب الحرب العراقية الايرانية ووقوف دول الخليج العربي والاردن الى جانب العراق باعتبارها خط الدفاع الاول على البوابة الشرقية للوطن العربي.

وما ان انتهت الحرب وعلى اثر احتلال العراق للكويت عام 1990 تغيرت خريطة التحالفات ليتوقف الضغط الاقليمي والدولي على ايران وتتحول الانظار باتجاه العراق باعتبارها الخطر الاكبر الذي يهدد امن الاقليم والعالم ولتعمل ايران على تطوير قدرات ذاتية جديدة تمكنها من الصعود لتصبح قوة اقليمية مهمة تقلق جيرانها وتلفت انتباه الدول الطامعة بهيمنة شاملة على الاقليم ومقدراته.

ايران التي يتعامل معها الجيران العرب على انها مصدر لتهديد وجودهم اصبحت واحدة من اهم ثلاثة قوى في الشرق الاوسط , فالى جانب تركيا التي قفزت الى عداد الدول الصناعية بناتج قومي اجمالي يجعلها ضمن قائمة اغنى عشرين دولة في العالم واسرائيل التي تطمح لرفع ميزان التبادل الاقتصادي مع الولايات المتحدة الى خمسين مليار دولار سنويا وتعتبر جيشها الاقوى في المنطقة تاتي ايران كقوة اقتصادية وعسكرية تحمل طموحات نووية اقلقت القوى العظمى واستوجبت مقاطعتها وحذر التعامل معها قبل أن يتم التفاوض والاتفاق على توجيه البرنامج لاغراض سلمية.

في المشرق العربي تتمتع ايران بنفوذ واسع في خمسة بلدان عربية ونفوذ اقتصادي واضح في بلدان اخرى الامر الذي يثير قلق الانظمة العربية ويدفع بها الى اتخاذ مواقف عدائية معلنة وتحشيد ممنهج يلفت النظر الى اطماع ومآرب النظام الايراني في الهيمنة والتوسع تارة بدوافع قومية واخرى تحت مبررات طائفية.

بالرغم من وجود ارضية غنية لاقامة علاقات اردنية ارانية قوية تمكن الايرانيين من تحقيق قبول اوسع في الاقليم وتعزز المصالح السياسية والاقتصادية للبلدين الا ان العلاقات بقيت ضمن الحد الذي تسمح بها العلاقات الاستراتيجية بين الاردن ومحيطه الخليجي . فقد فضل الاردن الاستمرار في الحفاظ على علاقاته التاريخية مع الاشقاء العرب في السعودية ومجلس التعاون على الانفتاح على ايران بالرغم مما يحمله مثل هذا الانفتاح من فرص واعدة يحتاج لها الاقتصاد الاردني الذي يمر في اصعب الظروف واكثرها تعقيدا في تاريخه الحديث.

اللقطة التي جمعت الرئيس روحاني برئيس مجلس نوابنا عاطف الطراونة احضرت الى الاذهان حجم الموارد والفرص التي يمكن ان تتيحها جغرافية وتاريخ وطاقة وروح المكان الاردني. ففي بلدة المزار التي ولد فيها رئيس مجلس النواب وكان نائبا عنها لسنوات من المقامات والاضرحة والمزارات ما يمكن ان يتحول الى محج للشيعة يغني الاردن عن الكثير من المحاولات اليائسة لتنشيط السياحة التي بدت اكثر خمولا مع كل برامج الترويج وصور الجمال الجاثمة على حمالات التاكسي العمومي في العديد من البلدان الاوروبية.

في وجه الفوضى التي تسود العالم والغموض الذي يعتري السياسة الخارجية الامريكية ومستقبل قرارات رئيسها والحديث عن تشكل ناتو عربي اسرائيلي في المنطقة ومخاوف ايران من تحول حقيقي في الموقف الامريكي من الاتفاق النووي واحتمالية صعود احزاب اليمين في فرنسا وهولندا واختلاط الاوراق في سوريا والعراق والخليج يصعب على اي محلل ان يفسر ما يحدث في العالم باكثر من القول بان الجميع يحاول التموضع استعدادا لاي طاريء بعد خروج العالم من حالة الفوضى السياسية الى شيء من النظام.