ضجيج شعبي وأجندة مزدحمة...

مقالات

نشر: 2017-02-19 13:05

آخر تحديث: 2017-02-19 13:07


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

ضجيج شعبي وأجندة مزدحمة...

المالية العامة والثقة الشعبية والفقر والبطالة والعمالة الاجنبية والامن الداخلي والخارجي والتعامل مع شبهات الفساد ليست هي القضايا الوحيدة على اجندة الحكومة المكتظة.

فهناك التحولات على المسرح العالمي وتأثيرها على الملف الفلسطيني وتفاعلات الملف السوري والحرب على الارهاب وقضية اللجوء والاعانات الدولية وشهوة المناكفة التي تعبر عن نفسها بأشكال تتراوح بين نبش القصص القديمة او عرض نماذج وحالات التناقض والدعوات للمقاطعة وغيرها من الاساليب المبتكرة التي يظل الحكم على تأثيراتها المستقبلية مبكرا.

لا احد يرى أن الحكومة الحالية تختلف عن سابقتها في السياسات والبرامج ورسم الأولويات لكنها مختلفة قليلا في اسلوب تمرير سياساتها وجرأتها على اتخاذ القرارات الصعبة بوتيرة متسارعة لم يألفها المواطن الأردني حتى في زمن الحكومة السابقة التي سجلت رقما قياسيا في استمراريتها وقسوتها وعجزها عن تحقيق ما يطمح له الناس من رخاء وازدهار .

خلافا لما عانت منه الحكومات السابقة من صعوبة تمرير سياساتها وتشريعاتها عبر قنوات البرلمان السابع عشر وحتى المجالس السابقة يبدو المجلس الثامن عشر الاقل صخبا والاكثر تقبلا لمقترحات الحكومة والأكثر استعدادا لتبنيها والدفاع عنها.

على غير عادة المجالس النيابية في الاردن وبقية العالم اطل رئيس المجلس عبر الشاشة الوطنية ليقدم مبررات لرفع الاسعار ويتحدث عن الجرأة التي تتمتع بها الحكومة في معالجة الاختلالات في الموازنة متناسيا ان النائب صوت الشعب ويحمل همه ولا يدخل ضمن مهمات النائب ان يعرض قناعات تتعارض مع راي الشارع فالنائب ليس حاكما بل ممثل للارادة الشعبية وليس موجها لها.

الاجراءات التي تقوم بها الحكومة اليوم متعددة الاتجاهات ومتباينة الاهداف ومتضاربة الاثار والنتائج التي تبدو غير محددة او محسوبة تماما.

فمن ناحية اقدمت الحكومة على رفع اسعار العديد من السلع ورفع قيمة الضرائب على بعض السلع التي لم يخطر ببال احد.

ففي الوقت الذي تباع فيه المحروقات باسعار تتجاوز ضعف اسعارها العالمية، عملت الحكومة على فرض ضرائب اضافية دون ربط هذه الاضافات بعوائد تشعر الناس بمنطقيتها كتحسين مستوى الطرق والحد من ازمات المرور وغيرها من التحديات المتعلقة بالنقل والحركة التي اصبحت احد الهموم والمنغصات التي يلمسها الناس وتأثر على حياتهم.

على الجانب الاخر اظهرت الحكومة نوايا جادة في التصدي للفساد واختلالات سوق العمل ونظام الاستخدام وسلم الرواتب والأجور، الامر الذي شجع المواطن على المطالبة بمزيد من الاجراءات واعتبار ذلك مدخلا لعملية الاصلاح الشاملة التي ينادي بها المواطن ويعبر عن استعداده للانخراط في برامجها.

القضايا التي تبدو غائبة عن خطط واستراتيجيات الحكومة تتعلق بالتقييم الشامل لموقع الاردن على خريطة الاقتصاد العالمي والبحث الشامل لامكانات وموارد ومنتجات الاردن وتحديد الميزة التنافسية لقطاعاتنا ومواردنا ومنتجاتنا والعمل على تنميتها وتطويرها واستثمارها في علاقاتنا مع الاقاليم والبلدان والمجموعات التي نشترك واياها في علاقات دبلوماسية وتجارية.

من غير المعقول ان يبقى المزارع الاردني ينتج عشرات الاف الاطنان من الخضار دون فتح اسواق جديدة لمنتجاته، ومن الصعب تفهم عجز الحكومات عن استثمار حسن النوايا التي يظهرها المجتمع الدولي حيال الاردن الى فرص اقتصادية تحسن الميزان التجاري مع اقاليم العالم المختلفة.

بالرغم من وجود مشاريع ال QIZ او المناطق الصناعية الحرة منذ ما يزيد على عقدين من الزمان الا ان اثارها على الاقتصاد الوطني وسوق العمل والتنمية محدودة او غير مقنعة.

في الاردن جرى ويجري الحديث عن الاستثمار في المناطق الخاصة واجراءات لتنشيط السياحة وتوسع في ايجاد المناطق التنموية والصناعية والخصخصة ومخزونات كبيرة من اليورانيوم والنحاس ويعلن العالم عن استعداده لتخفيض قواعد وشروط المنشأ للصادرات الاردنية ولا يرى المواطن اثرا لذلك على الاقتصاد.

الاجندة الحكومية مزدحمة بالقضايا والهموم والمشكلات وفي كل يوم تتولد قضايا ومشكلات وازمات جديدة.

الغريب فيما يحصل اليوم هو غياب الاطار الشامل الذي يعكس رؤية واضحة وأولويات محددة وسياسات واضحة وبرامج مدروسة وتناغم في الاجراءات.

فمن غير الواضح ما ستقوم به الحكومة تنمويا لخلق فرص للنمو الاقتصادي ولا لخطة اقتصادية لخلق فرص عمل جديدة وحتى استراتيجيا لا نعرف بالضبط كيف ستعالج الحكومة العجز المائي وزيادة الطلب على المياه والخدمات.

الخطاب الاعلامي كلاسيكي قديم لا يحمل قصة ورواية مقنعة يمكن ان يؤمن بها الجمهور، والانجازات الايجابية للحكومة تحتاج الى توظيف وربط في المنهج الاصلاحي للحكومة بعد ان تتم صياغته بشكل مترابط وواضح.

الضجيج والفوضى التي يثيرها البعض حول رفع الاسعار والترحيب والتهليل الذي يقوم به البعض لاجراءات مكافحة الفساد تخلق تصورات متضاربة عن الاجراءات الحكومية وجدواها وأثارها... والجدل مستمر ولن يتوقف ما لم تعد الحكومة رواية متكاملة تعكس رؤيتها الشمولية للواقع وبرنامجها التفصيلي للتعامل معه ضمن اولويات وبرامج تنعكس على اسلوب عمل الوزارات والدوائر ضمن اطار زمني ومؤشرات اداء رقمية يكمن العودة لها عند اي منعطف اتحديد مدى النجاح او الاخفاق.