الحوارات السياسية... بين الاجتهاد والتبصير.

مقالات

نشر: 2017-02-05 08:07

آخر تحديث: 2017-02-05 08:07


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

الحوارات السياسية... بين الاجتهاد والتبصير.

من الصعب ان يتحاور الناس او يناقشوا المسائل التي تهمهم دون توفر البيانات والمعلومات ووضوح المواقف او التوجهات حول موضوع الحوار .

البحث في السياسة دون توفر المعلومات والحقائق يجعل الكثير مما يقال فيها كمن يسدد على هدف متحرك في الظلام.

ومع كل ذلك يوجد في بلادنا المئات ان لم يكن الالاف ممن احترفوا التحليل والحديث في القضايا السياسية متجاوزين محدودية المعلومات ومتجاهلين وجود الاف المصادر الثانوية لها وحاجة المحلل الى القراءة والمقارنة والتحقق والتدقيق.

بعض الاصدقاء يظهر على وسائل الاعلام ليعيد على مسامعنا ربع فكرة سمعها وسيل من المديح او الشتائم التي لا تحترم ذائقة السامع ولا ذكاء المشاهد.

الحوار طريقة للتواصل والتفاعل تساعد على تبديد الغموض وتوضيح الصورة ووصول الاطراف المتحاورة الى فهم مشترك يمكنهم من تحديد مواقفهم من القضايا التي يجري حولها الحوار.

ولا يدخل في باب الحوار الاوامر التي يصدرها الرؤساء للمرؤسين والقادة للتابعين والاباء للابناء الا اذا توافرت شروط المساواة والتكافوء للاطراف المنخرطة في العملية او تخلي جميعهم عن مواقعهم ومنازلهم ومكاناتهم اثناء الحوار.

في مجالسنا ولقاءاتنا ومؤتمراتنا الكثير من الخطابة والقليل من الحوار بالرغم من اصرار البعض على وصف ما يقومون به على انه حوارا.

في المجتمعات البطركية التي ينتظم الناس فيها في مواقع تراتبية حسب النسب والموقع والمال وبقية عناصر القوة لا يوجد متسع للحوار وكل ما يدور لا يتعدى اوامر وتوجيهات من قبل من يحتلون المراتب العليا في التنظيم وطقس يعبر فيه البقية عن اعجابهم وتقديرهم بمن يستحوذون على الوقت الذي يجتمع فيه الاشخاص لتدارس ما يعنيهم جميعا.

الهيمنة البطركية على فضاء المؤسسات والتنظيمات والجماعات التقليدية والحداثية ظاهرة تلفت الانظار وتطرح الكثير من التساؤلات حول امكانية تجاوز ثقافتنا لحالة التناقض بين الخطابة والممارسة.

ففي اعلاناتنا وصحافتنا وبياناتنا نتحدث عن الحوار في حين اننا نمارس التلقين ونتحدث عن الرأي الآخر واحترامه في حين اننا نسارع الى اسكات اصحابه او شيطنتهم.

في الديمقراطيات الراسخة يصوت الناس على خياراتهم في اجواء خالية من الضغوط والاستمالة والاسترضاء و بعيدا عن المجاملات والاذعان والمسايرة ويلتزم الجميع بالخيار الذي يخدم الصالح العام وفي بيئة يتساوى فيها الجميع.

الحوار حول السياسات يحتاج الى دستور واضح يعرفه الجميع ويؤمنون بسموه ويعتبرونه المرجعية الحاسمة والحكم النهائي القادر على الفصل في كل النزاعات.

في الولايات المتحدة استطاع القضاة والمحامون متسلحين باحكام الدستور والقواعد الديمقراطية الوقوف في وجه الرئيس الجديد المنتخب ورفض الامتثال لاوامره الرئاسية التي تمنع مواطني بعض البلدان الشرق اوسطية من دخول الولايات المتحدة.

غالبية اللقاءات التي تنظم تحت مسميات الحوار تفتقر الى الاهداف والتنظيم والقواعد التي تجعل منها جلسات حوارية ففي معظمها يوجد للقاء رئيسا يسير الاعمال ويحدد الموضوعات و طريقة استخدام الوقت وترتيب المتحدثين واصدار الاحكام على مساهمات المشاركين ومداخلاتهم.

الخطاب الذي يجري تداوله خطابا وعظيا ارشاديا محكوما بالثوابت التي لا يخطر ببال احد تجاوزها.

وفي نمط آخر من ما يسمى بالحوارات يستحوذ احد الاشخاص على ما يزيد عن 50% من الوقت المتاح ليقول ما في خاطره ويخصص الوقت المتبقي لاستقبال الثناء والمديح والاعجاب والتاكيد على ما قيل.

في السنوات الاخيرة توالدت جماعات للحوار المدرسي والجامعي والشبابي داخل وخارج الجامعات والمدارس التي ينتمي لها الافراد الذين انخرطوا في هذه الجماعات.

بالرغم من روح التفاؤل التي يبثها وجود وتكاثر هذه الجماعات الا ان تاثيرها الفعلي على شخصيات الاعضاء وبنية وتجربة المؤسسات التي ينتمون لها لا يزال محدودا ان لم يكن عكسيا.

فتشبع الاعضاء بادبيات وشكل الحوار وافتقارهم لخبرات ممارستة في قضايا تتعلق بحياتهم وعلاقاتهم ومجتمعهم تولد انطباعا مغلوطا وتعطي صورة مشوهة عن المفهوم لدى الشباب انفسهم ولدى من يتابعهم.

الحوارات التي يشارك فيها الساسة والاكاديميون والخبراء في الفضاءات العامة والخاصة يجري استخدامها لتمرير رسائل لاشخاص ومصادر غير مشاركة في اللقاء اكثر من كونها مناسبات للنقاش والتوضيح والفهم المشترك.

البعض يسرف في الثناء والمديح لاشخاص ومؤسسات مؤثرة في صناعة القرار في حين يسعى البعض الى الهروب الى مجالات بعيدة لا تحظى باهتمام الحضور.
استمرار الحالة القائمة من التواصل الفكري والتفاعل تحت مسمى الحوار لا تؤثر كثيرا على واقع المجتمع بمقدار ما تعمق حالة الفوضى والاختلاف التي اصبحت ملمحا من ملامح ثقافتنا ومواقفنا.