اصلاح القضاء..الممكن...والمستحيل

مقالات

نشر: 2017-01-22 14:19

آخر تحديث: 2017-01-22 14:19


كتابة: الدكتور صبري اربيحات

اصلاح القضاء..الممكن...والمستحيل

لسنوات طويلة كان القضاء الاردني يتمتع بسمعة رفيعة واحترام عميق بين كافة الاوساط وفي كل المحافل العربية والدولية , وقد بنيت السمعة الحسنة للقضاء الاردني على جهود وانجازات الرواد الاوائل وعناية القيادة وكفاءة القضاة والمحامين وقناعات الذين لجأءوا للقضاء بسلامة الاجراءات وسرعتها وصحة ونزاهة الاحكام وحرص من تولوا مهام القضاء بمستوياته المختلفة على سمو المؤسسة وا لحفاظ على مكانتها في عيون جمهورها والمنتسبين لها على حد سواء.

مع بدايات تشكل الدولة ونشوء مؤسساتها استطاع القضاء الاردني ان يستقطب افضل الكفاءات ممن تلقوا تعليمهم في كليات الحقوق في البلدان العربية المجاورة وانشغلوا بهموم الامة والنضال من اجل رفع اشكال الظلم والتعدي على حقوقها ومصالح شعوبها ومصائرهم الامر الذي خلق ثقافة قضائية تفهم معاني الظلم و تنحاز الى الحق دون تردد او خوف او هوادة. فبقي الاردنيون يتذكرون بفخر واعتزاز مسيرة القاضي موسى الساكت وعلي مسمار ونجيب الرشدان وغيرهم من الرجالات الذين تركوا لمؤسستهم ولمهنة القضاء سيرة عطرة تجاوزت اثارها حدود الزمان والمكان.

القضايا التي كان يتناولها القضاء الاردني في اربيعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت اقل تعقيدا وتركيبا من القضايا التي اخذت طابعا جديدا بتقدم الاتصالات وزيادة مستويات الانفتاح ونمو التجارة الدولية واختلال التركيب السكاني لمجتمعاتنا بفعل الهجرة ونشوء الشركات العابرة للحدود والاشتباك اللامحدود بين القطاعين العام والخاص.

القيم التي ظلت تحكم مجتمعاتنا منذ بداية القرن الماضي وحتى ثمانينيات القرن الماضي لم تعد مؤثرة والعديد من الجماعات والفئات المكونة لمجتمعنا تلقت تدريبها وتنشئتها خارج حدود البيئة والثقافة التي تطبق فيها القوانين .على الارض الاردنية اليوم يتواجد ما يزيد على ثلاثة ملايين مهاجر ولاجيء ومئات الفروع لشركات عالمية اضافة الى مئات الاف العقود التجارية والشراكات الدائمة والمؤقتة.
القضاء في المجتمعات التقليدية اقل صعوبة فالقوانين تعكس القيم السائدة والقواعد التي يعيها الجميع ولا يختلفون على تحديد اشكال الخروج عليها ومخالفتها. اما في مجتمع اليوم فقد اصبح التباين في المواقف هو السمة الابرز والاختلاف هو الغالب والخصومة هي السمة الابرز التي تدفع بالجميع الى اللجوء للقضاء.

في الجوانب الحقوقية يلجأ البعض للقضاء لكي لا يفوا بالتزاماتهم فالكثير ممن يودون التهرب من دفع الايجار او التحلل من شروط البيع يسارعوا الى دفع خصومهم للمحاكم وهم متيقنون بان ذلك سيمنحهم الوقت الكافي لتدبير امورهم او ربما دفعهم للتوقف عن المطالبة لما في ذلك من مراجعات وتاجيل.
واقع القضاء اليوم يشير الى تكدس هائل في القضايا, وبطء في التقاضي, وفقدان لعناصر السرعة والثقة الكاملة التي يحتاجها القضاء لتحقيق وظائف الردع والتقليل من الجرائم التي يتطلع لها المجتمع. الكثير من الخصوم امام قضائنا يشكون من طول مدد التقاضي وازدحام المحاكم وزيادة اعباء القضاة وتكرار التأجيل للجلسات لغياب الشهود وقلة الادلة وتأخر صدور الاحكام الامر الذي يفقدها الكثير من قيمتها في تعزيز الاحساس بالعدالة.

نظام عدالتنا الجنائية يحتاج الى الكثير من التنمية والتطوير في التشريعات والتدريب والادارة والتنسيق بين مكونات النظام المتمثلة بالشرطة والادعاء العام والمحاكم ومؤسسات الاصلاح والتاهيا ومنظمات وشبكات الرعاية اللاحقة.قضاتنا والمحققون يحتاجون الى مزيد من التدريب والتأهيل للتعامل مع بعض انواع القضايا المتعلقة بالشركات العابرة للقارات و الجرائم الالكترونية وحقوق الملكية الفكرية والجرائم المستمرة تحتاج اضافة الى اشكال الاعتداء على الاطفال وجرائم الاستغلال الجنسي والاتجار وتصنيع المخدرات والمؤثرات العقلية وترويجها واستعمالها .

حقوق الضحايا التي تعمل المجتمعات البشرية على تعريفها وتقييمها وتحديد اشكال التعويض المادي والنفسي والاجتماعي المباشر وغير المباشر امور ينبغي ان لا يتجاهلها التطوير. كذلك البحث عن بدائل للعقوبة الموجهة لحجز الحرية بما يجنب اصحاب المخالفات الوسم الجنائي ويقلل من الكلفة الباهظة للاحتفاظ بالافراد في المؤسسات العقابية والضرر الذي يلحق باسرهم ومن يعتمدون عليهم جراء توقيفهم.

امام لجنة تطوير القضاء ملفات متعددة ومهام يصعب حسرها بعضها سهل وممكن والاخر صعب ومعقد. نتمنى ان تفلح اللجنة المكلفة بحصر التحديات والبحث في اسبابها وتحديد معالجاتها من منظور شامل لا يهمل ايا من الجوانب التي قد تؤثر على كفاءة وقدرة النظام على النهوض بوظائفه الضرورية لاشاعة الامن ودعم الاستقرار وتهيئة البيئة للتنمية والنهوض والازدهار.