الاقتصاد الروسي أمام مستقبل مجهول ما بين الفقر وضعف النمو

اقتصاد نشر: 2018-03-12 16:31 آخر تحديث: 2018-03-12 16:31
تعبيرية
تعبيرية
المصدر المصدر

 

 تقف إيرينا سيميونوفا عند مدخل محطة مترو في سان بطرسبورغ لتبيع طماطم معلبة، وقد اضطرت هذه السبعينية المتقاعدة على غرار العديد من الروس إلى إيجاد موارد تدعم قليلا معاشها التقاعدي الزهيد.

 تتقاضى إيرينا سيميونوفا معاشا سنويا قدره 12 ألف روبل (حوالى 170 يورو) لا يبقى منه بعد دفع الفواتير والأدوية الضرورية لها سوى اربعة آلاف روبل أي ما لا يكاد يزيد عن 50 يورو. وتتساءل "هل يمكن العيش بأربعة آلاف روبل، ولا سيما في مدينة مثل سان بطرسبورغ حيث كل شيء باهظ؟"

 وهي تجد خلاصها في منزلها الريفي عند أطراف عاصمة القياصرة سابقا، في شمال غرب روسيا. وتروي "أذهب إلى هناك في الصيف، عندي بستان خضار، فأبيع ما أزرعه، وهذا يساعدني لأعيش". 

عمل الرئيس فلاديمير بوتين في ولايتيه الرئاسيتين الأوليين بين 2000 و2008 على إصلاح أوضاع اقتصاد متدهور إثر الانكماش الذي تلى سقوط الاتحاد السوفياتي، ما أدى إلى تحسين المستوى المعيشي. 

لكن الاقتصاد عاد وتباطأ منذ عودته إلى الكرملين عام 2012 بعدما قضى أربع سنوات رئيسا للوزراء. فقد شهدت روسيا أربع سنوات من التراجع في القدرة الشرائية في ظل التضخم الحاد الناجم عن هبوط أسعار النفط بين 2014 و2016 والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا على خلفية الأزمة في أوكرانيا.

 وإن كانت نسبة الفقر تراجعت من 29% عام 2000 إلى 10,7% عام 2012 بحسب وكالة "روس ستات" الروسية للإحصاءات، فهي عادت وارتفعت إلى 13,4% عام 2016.

 وبات عدد الروس الذين يعتبر البنك الدولي انهم ينعمون بالأمان الاقتصادي، أي بمأمن من التراجع إلى ما دون عتبة الفقر، يمثل أقل من نصف السكان (46,3%) بتراجع عشر نقاط عن العام 2014.

 ويزداد الوضع صعوبة في الضواحي، بعيدا عن تألق موسكو ومظاهر الازدهار فيها، حيث تكاد الأجور والمعاشات التقاعدية لا تكفي لسد النفقات اليومية.

 يقول فياتشيسلاف الميكانيكي المتقاعد في منطقة كالوغا على مسافة 200 كلم جنوب غرب موسكو "الأسعار جنونية، لا يمكنني شراء أي شيء".

 وفي قرية مجاورة، تعرف تاتيانا كوزنيتسوفا (47 عاما) منذ الآن أنها ستتقاضى أقل من مئة يورو شهريا بعد تقاعدها في حين أنها "تعمل بكد منذ الطفولة"، وتشكو العاملة في مصنع لتعليب الاسماك من أن مواردها الضئيلة لن تسمح لها بتبديل سيارتها المترهلة.

 وأظهرت دراسة أجراها مصرف "كريدي سويس" أن الـ10% الأكثر ثراء يملكون 77% من ثروات البلاد، ما يضع روسيا بمرتبة الولايات المتحدة التي تتصدر الدول المتطورة من حيث الفوارق بين السكان.

 وقال مؤسس شركة "ماكرو أدفايزوري" للاستشارات "لم تضطر الحكومة بين 2000 و2013 إلى الاكتراث كثيرا للاقتصاد، لأن ارتفاع الثروة النفطية والنمو القوي للعائدات والقروض حفزا الاقتصاد بدون حاجة إلى الكثير من التدخل الحكومي".

 - "فقر غير مقبول" -

وبرر الخبير الاقتصادي التراجع بعد ذلك بتباطؤ نموذج اقتصادي مرتبط بالنفط. وإن كان النمو عاد إلى البلاد العام الماضي بعد سنتين من الانكماش، فإن توقعات النمو على المدى المتوسط لا تتخطى 1 إلى 2%، بفارق كبير عن أرقام العقد الأول من الألفية.

 وقال كريس ويفر "هذا لا يكفي لتحسين مستوى معيشة الناس أو تأمين تمويل أكبر للتربية والصحة وغيرهما".

 صحيح أن الصعوبات الأخيرة لم تؤثر على شعبية فلاديمير بوتين حتى الآن، إلا أن الرئيس خصص لها قسما كبيرا من خطابه السنوي أمام البرلمان في مطلع آذار/مارس.

 وحدد هدفا له تخفيض معدل الفقر "غير المقبول" إلى النصف خلال ست سنوات وتحقيق نمو يقارب 4%. وإذ وعد باستثمارات في البنى التحتية والصحة والإسكان، لزم الغموض في ما يتعلق بمسائل التمويل ولم يتحدث عن أي إصلاح في مواجهة العقبات الهيكلية ولا سيما الديموغرافية في وجه النمو.

 وقال نيل شيرينغ من مكتب "كابيتال إيكونوميكس" للدراسات "طوال العقد المنصرم، سمعنا هذا الكلام الجميل حول الإصلاحات، ولم يفض يوما إلى نتيجة حقيقية"، مشددا على ضرورة اعتماد "سياسات إعادة توزيع، إنما خصوصا إصلاحات اقتصادية لتعزيز نمو الإنتاجية، ما سيؤدي إلى رفع الرواتب".

 ورأت الخبيرة الاقتصادية في مصرف "ألفا" ناتاليا أورلوفا أن النمو المسجل العام الماضي كان خصوصا نتيجة نفقات مؤقتة على ارتباط بمشاريع كبرى مثل الجسر قيد الإنشاء إلى القرم.

 وأكدت أن "التركيز على استقرار الميزانية هو أفضل استراتيجية، لأن العقوبات تعيق كل ما تبقى".

 وركزت الحكومة سياستها في السنوات الأخيرة على الصرامة المالية والنقدية، فحافظت على استقرار ولو ظاهري، وتفادت زيادة كبرى في العجز والدين كما حصل  في حقبة التسعينات التي كانت مذلة للبلاد.

 ويرى رئيس قسم الاقتصاد في شركة "رونيسانس كابيتال" أوليغ كوزمين في ذلك ما يدعو إلى التفاؤل، ويقول "إن المستوى المعيشي لا يزال متدنيا عما كان عليه، لكن الاقتصاد بات يواجه قدرا أقل بكثير من المخاطر. فالتضخم ضعيف وهروب الرساميل تراجع، وتم تصحيح أوضاع القطاع المصرفي (...) يفترض أن يساهم كل ذلك في مواصلة تنمية مستدامة".

 

 

أخبار ذات صلة