قصتي مع مادة التاريخ

مقالات نشر: 2018-03-15 09:44 آخر تحديث: 2018-03-15 09:44
كتابة: محمد فريج
محمد فريج

كانت الطالبة في الأول الثانوي الأدبي تدرس مادة التاريخ وسألت بصوت مرتفع "ما هي سياسة أمريكا في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية ؟" وكان لي الخيار بأن أقول أنها اتبعت نهج النفط مقابل الغذاء وتوزيع المساعدات خاصة العسكرية منها لبناء تحالفات قوية تساعدها في صد الإتحاد السوفيتي من التوسع بأفكاره وسياساته. عدى عن سيطرتها على الرأسمالية ونشرها بكل السبل الممكنة.

قالت : لأ، الجواب في الكتاب يقول أن الحل بنقطتين الأولى "إضعاف الإتحاد السوفيتي، والسيطرة على النفط في العالم العربي". وإذا ما تأملنا الإجابتين يحق لي أن أسأل، ما الذي تغير في الإجابة وإن كانت سطحية غير متعمقة سياسيا.

إلاّ أن طالب المرحلة الدراسية اعتاد بفضل السياسات التعليمية والمنهاج أن يحفظ ويفرغ حفظه في ورق الإمتحانات، وأن ينسى ذلك بعد الإمتحان، فلا التعليم خلق فكرا وعلما ولا قناعة بأن يقوم أحد بتغير سياسات التلقين في الكتاب والغرفة الصفية على سواء.

في دليل آخر على أن الكتاب أصبح للحفظ وأن المعلمين الذي درسوني ويدرسون اليوم أبناء الجيل الجديد، فإن كتاب الثقافة الإسلامية لنفس الصف، في درسه عن الحفاظ على القرآن الكريم يضع في "بوكس" أعلى الصفحة تلخيصا يقول "ماذا يتوقع من الطالب أن يستفيد من الدرس"، وفي أول نقطة أن يحافظ على القرآن الكريم. فسألت الطالبة "كيف تحافظين على القرآن" ؟ فقالت .. بحفظه، ونشر ما فيه، فقلت "إذن لماذا ترمين بكتابك على الأرض وفيه ما فيه من الآيات وملخص آليات الحفاظ على القرآن.

وإن المارة بأبواب المدارس في موسم "التفريغ" يلاحظ حجم الكتب والدوسيات الملقاه على الأرض أو في المحارق، فلا يعتني الطالب بكتابه ولا يقدر ما فيه، ولا المكتبات المدرسية متاحة لخدمة المجتمع في الغالب الأعم، ولا نسب المطالعة والقرآءة واستهلاك الكتب تبشر في المجتمع العربي والأردني بعلو قيمة الكتاب والعلم.

لا أخفي سرا أنني في مرحلتي الدراسية حصلت على صفر من أربعين بالمئة في مادة التاريخ، لكون المرحوم الدكتور صالح الديري قال لي عليك ان تكتب الإجابة كما وردت في الكتاب، وقلت له "خلي البصم الك دكتور"، فما حفظت تاريخا ولا سمعت لي أمي يوما درسا في التربية الوطنية والثقافة العامة. ففي الأخيرة وفي مرحلة الثانوية العامة اشيع أن وحدة من الكتاب يأتي منها حوالي الأربعون علامة من امتحان التوجيهي، وكانت تحكي قصة الثورة العربية الكبرى وإنجازات الدولة الأردنية، فما كان مني إلاّ أن قسمت كتابي لأجزاء ووضعت هذا الجزء في خزانتي ولم أدرسه، وعندما جاءت اسئلته كانت بـ 10 علامات فقط، تتناول انجازات الراحل الحسين رحمه الله، والعام الذي استلم به الملك عبد الله سلطاته الدستورية. فما الصعب هنا على أي أردني بأن يعرف انجازات ملكين لعرش وطنه !! وتاريخ تولي مليكه لسلطاته !!

تخيل معي أن طلاب جامعة يدرسون تاريخ الإعلام الأردني، ولم يتمكنوا يوما "في المحاضرة" من سماع أي تسجيل لإذاعة وطنهم الرسمية إبان كانت تبث من القدس أو في خطابات الحسين عبر الإذاعة.

ومن هنا أقول : "إن بقاء تدريس التاريخ على أنه حفظ، وتخزين دون انعكاسه على فهم وتجربة ومحاكاة عملية يبقى دربا لإضاعة الوقت". وهدر للطاقات الشبابية والتعليمية. فأين معلم التاريخ الذي يعطي درسه في متحف أو مكتبة، أو يحاكي شخصيات الخلفاء والوزراء والقادة من خلال مسرح تفاعلي، أو فيلم قصير ؟

إنها أماني أسجلها أمام مؤلفي المنهاج، فالتاريخ مادة مهمة في تشكيل الوعي الجمعي.